رسالة مصرية ثقافية
مرحبا بك أخي الزائر نشكر زيارتك ونتمني انضمامك للمنتدي
زيارتك تسر إدارة المنتدي ومشاركتكك تسعدنا وتساهم معنا بارتفاع الثقافة العامة
بعض المنتديات الفرعية والموضوعات
لا يمكنك الإطلاع عليها إلا بعد التسجيل كعضو في المنتدي

رسالة مصرية ثقافية

ثقافية - علمية - دينية - تربوية
 
الرئيسيةرسالة مصريةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الفصل الأول - العصر الراشدي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:20

أبو بكر الصديق

ترجمته:

هو أبو بكر بن أبي قحافة من بني تيم ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، يلتقي مع الرسول (ص) في مرة، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر من تيم ابن مرة ولد لسنتين من عام الفيل.

شب أبو بكر على الأخلاق الفاضلة والسيرة الكريمة، وكان ذا يسار يحمل الكل ويكسب المعدوم، وكان مصاحباً للرسول (ص) قبل النبوة، فلما بعث النبي (ص) كان أبو بكر أول رجل أجابه. أخرج ابن عساكر من طريق الحارث عن علي قال: أول من أسلم من الرجال أبو بكر[1].

فكان أبو بكر أحب رفيق إلى الرسول (ص) وأعز صاحب لديه حمل من أجله من قريش ما تنوء به العصبة أولو القوة ووقف أمامه موقف المدافع عن الحق الداعي إلى الخير.

لكل عظيم أخلاق يظهر أثرها في أعماله ظهوراً واضحاً، وتظهر للناس صورتها كلما ذكر اسمه، فكان أبو بكر يتصف بصدق العزيمة والرفق والحلم والتواضع والجود والشجاعة والذكاء الخ.

وكان يتصف بحسن السياسة وكانت سياسته بشدة من غير عنف، ولين من غير ضعف، بطيء العقوبة غير متعجل فيها إلا بقصاص واجب، وكان يأمر عماله بأن لا يغلوا في العقوبة ويأمرهم بالرفق والأناة، وكان زاهداً يتعفف عما بأيدي الناس، ويرضى بالقناعة والكفاف ويلتمس الحلال عن طريق العمل دون الاعتماد على كفاية الأغيار.



انتخابه للخلافة:

كان للرسول (ص) وظيفتان يؤديهما لأمته: الأولى تبليغ الرسالة، والثانية كونه إماماً للمسلمين، فأما وظيفته الأولى فقد انتهت بموته، وأما الثانية فلم ير المسلمون بداً من إقامة من يخلف الرسول (ص) في خلافته.

لم يدفن الرسول حتى كانت هناك فكرتان: الأولى عدم تخصيص الخلافة ببيت من البيوت والثانية تخصيصها، وهذه الفكرة ذات شعبتين: الأولى تخصيصها بالبيت القرشي على اختلاف بطونه، والثانية تخصيصها بالقرابة القريبة من رسول الله (ص) وكان أقرب الناس إليه وقت موته من أعمامه العباس بن عبد المطلب ومن بني عمه علي وعقيل ابنا أبي طالب، ويمتاز علي من بينهم بسبقه إلى الإسلام وشهوده مشاهد الرسول وتزوجه بابنته فاطمة، ويمتاز العباس بأنه العاصب الوحيد له إن كان هناك إرث.

لما توفي الرسول وأعلنت وفاته اجتمع كبار الأنصار في سقيفة بني ساعدة أوسهم وخزرجهم بقصد المفاوضة في انتخاب خليفة للرسول، كان نظرهم متوجهاً إلى اختيار سعد بن عبادة، فإن سعداً خطب فيهم مبيناً ما للأنصار من الفضل والسبق إلى حماية الرسول (ص)، وأنه لا ينبغي أن ينازعهم في هذا الأمر أحد فأجابوه أصبت ووفقت، ثم ترادوا الكلام فيما بينهم، فقال قائل منهم: فإن أبى ذلك المهاجرون من قريش وقالوا نحن عشيرته وأولياؤه فماذا نقول لهم: فقال له آخر نقول منا أمير ومنكم أمير ولن نرضى بدون هذا فقال سعد لما سمعها هذا أول الوهن.

بلغ هذا الاجتماع كبار المهاجرين أبا بكر وعمر وغيرهما فمضوا إلى السقيفة مسرعين حتى وصلوا إليها، افتتح أبو بكر الكلام وقال: إن الله جل ثناؤه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق فدعا إلى الإسلام فأخذ الله بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاماً لنا فيه تبع ونحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن مع ذلك أوسط العرب أنساباً ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة، وأنتم أيضاً والله الذين آووا ونصروا وأنتم وزراؤنا في الدين ووزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم إخواننا في كتاب الله تعالى وشركاؤنا في دين الله عز وجل وفيما كنا فيه من سراء وضراء، والله ما كنا في خير قط إلا وكنتم معنا فيه فأنتم أحب الناس إلينا وأكرمهم علينا وأحق الناس بالرضا بقضاء الله والتسليم لأمره ولما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين، فلا تحسدوهم وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة والله مازلتم مؤثرين إخوانكم من المهاجرين وأنتم أحق الناس ألا يكون هذا الأمر واختلافه على أيديكم، وأبعد أن لا تحاسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم، وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر وكلاهما رضيت لكم هذا الأمر وكلاهما له أهل[1].

ولما أتم أبو بكر خطابه قام الحباب بن المنذر فقال: يا معشر الأنصار أملكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم وظلكم ولن يجترئ على خلافكم ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم أنتم أهل العز والثروة وأولو العدد والمنعة والتجربة وذوو البأس والنجدة وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وينتقص عليكم أمركم أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير فقال عمر: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن وبعد كلام له قام الحباب ثانية فقال: يا معشر الأنصار أملكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فكان بينه وبين عمر حوار[2] .

ثم قال أبو عبيدة يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدل وغير، فقام بشير بن سعد فقال: يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولي فضيلة وجهاد وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي به من الدنيا عرضاً فإن الله ولي المنة علينا بذلك إلا أن محمداً من قريش وقومه أحق به وأولى وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً فاتقوا الله ولاتخالفوهم ولا تنازعوهم[3].

فقال أبو بكر هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا فقالا: لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك فإنك أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار وخليفة رسول الله على الصلاة، والصلاة أفضل دين المسلمين فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر عليك أبسط يدك لنبايعك فمد عمر يده إليه فبايعه، ثم أبو عبيدة ثم بشير بن سعد[4].

ولما رأت الأوس ما صنع بشير وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض: قوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه، فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر حتى كادوا يطؤون سعد بن عبادة وهو مريض لا يقدر على النهوض، وتخلف عن البيعة علي بن أبي طالب ومن معه.

ولما رأى بنو هاشم انحياز الناس إلى البيعة لأبي بكر واتفاقهم على الرضا بخلافته، وخصوصاً لما ثبت عندهم أن الخلافة غير النبوة، وأن أبا بكر أحق الناس بها بعد أن أنابه عنه الرسول في الصلاة بالمسلمين في حال مرضه، أقبلوا على بيعته وبايعه علي بعد وفاة زوجه فاطمة وذلك بعد ستة أشهر لموت أبيها على رواية الزهري عن عائشة[5].

وبعد أن تمت بيعة أبي بكر قام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق إن شاء الله تعالى، لا يدع أحد منكم الجهاد فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله[6].





[1] الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيية الدينوري


[2] تاريخ الأمم الإسلامية - لمحمد الخضري


[3] تاريخ الأمم الإسلامية - لمحمد الخضري


[4] تاريخ الأمم الإسلامية لمحمد خضر


[5] تاريخ أبي الفداء ج1


[6] أشهر مشاهير الإسلام – لرفيق العظم ج1

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:22

إنفاذ جيش أسامة وقتاله أهل الردة:

لم يكن أمر البيعة أول عقبة قطعها المسلمون بعد وفاة النبي (ص)، فإنه لم يكد ينتشر نعيه في الآفاق حتى ظهر النفاق، وارتد كثير من الأعراب، والمسلمون يومئذٍ في ارتباك عظيم لفقد نبيهم وقلتهم وكثرة عدوهم، لأنهم لم يتأثروا بعد بأثر الإسلام ولم تزك أنفسهم الزكاء المطلوب ـ (قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)، وانقسم المرتدون إلى فريقين: فريق امتنع عن أداة الزكاة، وفريق تبع المتنبئين ورفض الدين كله.

قال البلاذري: لما استخلف أبو بكر ارتدت طوائف من العرب ومنعت الصدقة، وقال قوم منهم: نقيم الصلاة ولا نؤدي الزكاة، فقال أبو بكر: لو منعوني عقالاً لقاتلتهم[1] .

ومن الأعمال التي أتاها أبو بكر التي تدل على صدق عزيمته إنفاذه جيش أسامة الذي أكد إنفاذه الرسول (ص) وقت مرضه.

لما تولى أبو بكر كان أسامة بن زيد مبرزاً، وكان عمر بن الخطاب من جملة جيش أسامة على ما عينه رسول الله (ص)، فقال عمر لأبي بكر: إن الأنصار تطلب رجلاً أقدم سناً من أسامة، فوثب أبو بكر وكان جالساً وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب استعمله رسول الله (ص) وتأمرني أن أعزله. ثم خرج أبو بكر إلى معسكر أسامة وأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب، فقال له أسامة يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن فقال أبو بكر: والله لا تنزل ولا ركبت وما عليَّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله، ولما أراد الرجوع قال أبو بكر لأسامة: إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل، فأذن أسامة لعمر بالمقام، ولم يشأ الخليفة أن يستبد على رئيس السرية بإبقاء عمر، وهذا مقام كبير في احترام ذي السلطان سلطانه.

هذا وقد أوصاهم أبو بكر قبل رجوعه عنهم بوصية قصارى ما يقال فيها: إن الدول المتمدنة الآن مع حرصها على تخفيف بلاء الحروب ودعواها العريضة في خدمة الإنسانية والإنسان، ومراعاة حقوق العمران، لم تستطع واحدة منهن أن تقيد جيوشها بمثل مضمونها وهاهي بنصها:

لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الطفل ولا الشيخ ولا المرأة ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا للأكل وإذا مررتم بقوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وإذا لقيتم أقواماً فحصوا أواسط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاضربوا بالسيف ما فحصوا عنه، فإذا قرب عليكم الطعام فاذكروا اسم الله عليه وكلوا، يا أسامة اصنع ما أمرك به نبي الله ببلاد قضاعة – ولا تقصر في شيء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ودعه من الجرف ورجع[2].

فسار أسامة وشن الغارة على بلاد قضاعة وأخافهم وغنم منهم واستمر في بعثه أربعين يوماً ثم عاد، وكان هذا البعث مفيداً للمسلمين لأن أعداءهم لما تسامعوا به قالوا: لو لم يكن للقوم قوة ما أرسلهم جيوشهم تغير على من بُعد عنهم من القبائل القوية.

حمل أبو بكر على هؤلاء المرتدين لما جاءتهم أخبارهم ومكث ينتظر بعث أسامة لأنه كان فيه معظم القوة وكانت جيران المدينة من عبس وذبيان قد اجترأوا عليها يريدون مهاجمتها فلما قدم بعث أسامة استخلف أبو بكر أسامة على المدينة وكان قصده بذلك أن يرتاح جنده ويريحوا ظهورهم، وخرج فيمن معه من الجند وحرس المدينة لحرب عبس وذبيان حتى نزل على أهل الربذة بالابرق فاقتتل جنده مع بني عبس فهزم العبسيون، وأقام أبو بكر بالابرق أياماً وقد غلب بني ذبيان على البلاد ثم عاد أبو بكر إلى المدينة، فلما استراح جند أسامة خرج إلى ذي القصة فنزل بهم، وذو القصة على بريد من المدينة تلقاء نجد فقطع بها الجند وعقد الألوية وهي أحد عشر لواءً لأحد عشر أميراً وهم:

1. خالد بن الوليد ووجهته طليحة بن خويلد الأسدي ببزاخة، فإذا فرغ منه قصد مالك بن نويرة بالبطاح.

2. عكرمة بن أبي جهل ووجهه إلى مسيلمة باليمامة.

3. ووجه في إثر عكرمة شرحبيل بن حسنة.

4. المهاجر بن أبي أمية ووجهه إلى جنود الأسود العنسي بصنعاء.

5. حذيفة بن محصن ووجهته أهل ذبا بعمان.

6. عرفجة بن هرثمة ووجهته أهل مهرة وأمر هذا ومن قبله أن يجتمعا وكل أمير على صاحبه في عمله.

7. سويد بن مقرن إلى تهامة باليمن.

8. العلاء بن الحضرمي ووجهه إلى البحرين.

9. طريفة بن حاجز ووجهه إلى بني سليم ومن معهم من هوازن.

10.عمرو بن العاص ووجهه إلى قضاعة.

11.خالد بن سعيد ووجهه إلى مشارف الشام.

والخلاصة اشتغل أبو بكر في أمر الردة بعزيمة لا تزعزعها الكوارث أطفأ بها تلك النار التي هاجت في أنحاء الجزيرة حينما شعرت بفقد الرسول (ص) واستتب الأمر لأبي بكر وعاد الناس إلا ما كانوا عليه.





[1] فتوح البلدان للبلاذري


[2] تاريخ ابن خلدون ج2

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:22

غزو الفرس:

انتدب أبو بكر خالد بن الوليد بعد أن انتهى من حروب الردة ليغزو بلاد الفرس وأمره أن يبدأ بثغر الهند، وانتدب عياض بن غنم ليغزو الفرس من الشمال ويبدأ بالمُصيَّخ وهو في شمالي العراق.

وقد اقتطع خالد من بلاد الفرس حوض نهر الفرات من شمالي الابلة إلى الفراض وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة في شرقي الفرات وصادم جنود الفرس والعرب والروم في عدة مواقع لم يقهر فيها مرة، وكان اسمه يسبقه إلى كل موقعة أرادها، وكان في عمله فاتحاً لا مغيراً فإنه كان يعد حماة طريقه ليأمن أن يؤتى من خلفه، وكان إذا فتح بلداً أقام فيه أميراً من قبله ينظر شؤونه وآخر يجبي الخراج من أهل الذمة، ومن أحسن ما يؤثر عنه أنه لم يكن يتعرض للفلاحين بسوء، بل كان يعاملهم بالرأفة ويمنعهم من عدوهم حتى صاروا يفضلون حكمه على حكم الفرس الذين كان عظماؤهم يستعبدونهم ويذلونهم، وعلى نسبة رأفته بهؤلاء كانت شدته على المقاتلين وأهل الحرب، وكان لا يصبر عن الميدان إذا رأى الجنود ينظر بعضها بعضاً بل سرعان ما يخرج طالباً رئيس القوم للمبارزة وفيها القضاء على خصمه فلا يطول أمر الحرب بعده.

وأما عياض ففتح دومة الجندل وبلغ العراق من طريق المصيخ قبل خالد واجتمع مع خالد في الحيرة.





غزو الشام:

كتب أبو بكر إلى أهل مكة والطائف واليمن وجميع العرب بنجد والحجاز يستنفرهم للجهاد في الشام ويرغبهم فيه وفي غنائم الروم فسارع الناس إليه بين محتسب وطامع، فعقد ألوية.

قال الطبري: وكان أبو بكر قد سمى لكل أمير من أمراء الشام كورة فسمى لأبي عبيدة بن عبد الله الجراح حمص، وليزيد بن أبي سفيان دمشق، ولشرحبيل ابن حسنة الأردن، ولعمرو بن العاص ولعلقمة بن مجزر فلسطين، فلما فرغا منها نزل علقمة وسار إلى مصر[1].

وأهم وقائع العرب في الشام التي انهزم فيها الروم شر هزيمة ولحق فلهم بالشام وقعة اليرموك – واليرموك نهر- فهي الوقعة الفاصلة التي هان بها الاستيلاء بعد ذلك على القدس ودمشق وما إليهما، ثم على حمص وحماة وحلب وما في أكنافها من البلدان وظهر فيها النبوغ العربي في الحرب بأجلى مظاهره.

ولما قدم خالد بن الوليد مدداً للمسلمين في اليرموك وجد العرب يقاتلون الروم متساندين كل أمير على جيش، وقد علم أن الروم قد عزموا على الخروج من خنادقهم للصدمة الكبرى فجمع الأمراء وخطب فيهم، ومن جملة ما قال لهم: ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم والله، فهلموا فلنتعاور الإمارة فليكن علينا بعضنا اليوم وبعضنا غداً والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم ودعوني اليوم عليكم، قالوا نعم. فأمروه فكان الفتح على يد خالد[2].

وجاء البريد يومئذٍ بموت أبي بكر وخلافة عمر وتأمير أبي عبيدة على الشام كله وعزل خالد، فأخذ الكتاب منه وتركه في كنانته ووكل به أن يمنعه أن يخبر الناس من الأمر لئلا يضعفوا، وهزم الروم وقتل منهم ما يزيد على مئة ألف، ثم دخل على أبي عبيدة وسلم عليه بالإمارة.




وفاته:

حُم أبو بكر لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة 13هـ، ومكث محموماً 15 يوماً وتوفي في 21 جمادى الآخرة سنة 13 (22آب سنة 634 م) فكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، ودفن في حجرة عائشة بجوار الرسول (ص).





[1] تاريخ الطبري ج4


[2] خطط الشام – لمحمد كرد علي ج1


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:23

عمر بن الخطاب

استخلف أبو بكر لما أحس بدنو أجله عمر بن الخطاب لأنه كان يرى عمر بن الخطاب أجدر الناس بالخلافة.

ترجمته:

هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم.

كان عمر من أشراف قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية، وكانت قريش إذا وقعت الحرب بينهم أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيراً أي رسولاً، وإذا نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافراً أو مفاخراً.

عن نصر بن مزاحم عن معروف بن خربوذ قال: كانت السفارة إلى عمر بن الخطاب إن وقعت حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيراً، أو نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافراً أو مفاخراً ورضوا به[1].

ولما بعث الرسول (ص) كان عمر شديداً عليه وعلى المسلمين، ثم أسلم بعد رجال سبقوه، قال هلال بن يساف أسلم عمر بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة، وقيل أسلم بعد تسعة وثلاثين رجلاً وعشرين امرأة فكمل الرجال به أربعين رجلاً[2].





[1] سيرة عمر بن الخطاب- لأبي الفرج بن الجوزي


[2] أسد الغابة في معرفة الصحابة – لابن الأثير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:24

نفسيته وشيء من سيرته وأقواله:

كان عمر يحب رعيته حباً جماً ويحب ما يصلحها ويكره ما يفسدها، ساسها بسياسة تقربه إلى القلوب فكان عفيفاً عن أموالهم عادلاً بينهم مسوياً بين الناس لم يكن قوي يطمع أن يأخذ مما له ولا ضعيف يخاف أن يضيع منه ماله، كان حكيماً يضع الشيء في موضعه يشتد حيناً حسبما توحي إليه الأحوال التي هو فيها عرف العرب معرفة تامة وعرف ما يصلح أنفسها، فسيرها في الطريق الذي لا تألم فيه، فصيرها أمة حرة لا تستطيع أن تنظر إلى خسف يلحقها من أي إنسان، كان يتفانى في مصلحة رعيته ولا يرى لنفسه من الحقوق إلا كما لادناهم مع تحمله مشقات الحياة وأتعابها، العربي تستدعي سياسته حكمة عالية فإنك إن اشتددت عليه أذللته فهلك وإن لنت معه ليكون رجلاً نافعاً لم يكن هناك حد لجفائه ولا لحريته، فهو يحتاج إلى عقل كبير يدبره حتى لا تهلكه الشدة ولا يطغيه اللين، وذلك العقل الذي نتوخاه كان في رأس عمر.

روى أسلم قال: خرجت مع عمر بن الخطاب إلى حرة واقم حتى إذا كنا بصرار إذا نار تؤرث فقال: يا أسلم إني أرى هؤلاء ركباً قصر بهم الليل والبرد انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم فإذا امرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على النار وصبيانها يتضاغون، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء وكره أن يقول يا أصحاب النار، قالت (المرأة) وعليك السلام، فقال: أأدنو؟ قالت: أدن بخير أو دع، فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع، قال: وأي شيء في هذا القدر؟ قالت: ماء أسكتهم به حتى يناموا ألله بيننا وبين عمر، فقال: أي رحمك الله ما يدري عمر بكم؟ قالت: يتولى أمورنا ويغفل عنا! فأقبل عليَّ فقال: انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلاً فيه كبة شحم، فقال: احمله عليَّ، قلت: أنا أحمله عنك، قال: احمله عليَّ مرتين أو ثلاثاً كل ذلك أقول أنا أحمله عنك، فقال في آخر ذلك أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أم لك؟ فحملته عليه فانطلق وانطلقت معه نهرول حتى انتهينا إليها فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئاً فجعل يقول: ذُري عليَّ وأنا أحرك لكِ وجعل ينفخ تحت القدر وكان ذا لحية عظيمة، فجعلت أنظر إلى الدخان من خلل لحيته حتى أنضج وأدم القدر وقال: ابغني شيئاً فأتته بصحفة فأفرغها فيها، ثم جعل يقول: أطعميهم وأنا أسطح لك فلم يزل حتى شبعوا، ثم خلى فضل ذلك عندها، وقام وقمت معه فجعلت تقول: جزاك الله خيراً أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين فيقول قولي خيراً إنك إذا جئتِ أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله ثم تنحى ناحية ثم استقبلها وربض مربض السبع فجعلت أقول إن لك شأناً غير هذا وهو لا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ويضحكون، ثم ناموا وهدؤوا فقام وهو يحمد الله، ثم أقبل عليَّ فقال يا أسلم إن الجوع أسهرهم وأبكاهم فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت منهم[1].

كان عمر قد أخذ نفسه وأهله بحال من التقشف وخشونة العيش حتى ساوى البائس الفقير الذي إنما يعيش بما يتبلغ به مما يمسك الرمق ويدفع الجوع، لم تشره نفسه إلى رقيق العيش ونعيم الحياة الدنيا، ولم يهم بمكاثرة الناس في المال مرتعاً وبيلاً على من رعاه فقتر على نفسه تقتيراً، فكان لا يسوغ أحداً من أهل بيته أن ينتفع بشيء ليس له فيه حق، فكانت عفته هذه تزيده حباً واحتراماً في قلوب المسلمين.

قال طلحة بن عبيد الله ما كان عمر بن الخطاب بأولنا إسلاماً ولا أقدمنا هجرة ولكنه كان أزهدنا في الدنيا وأرغبنا في الآخرة[2].

عن ابن البراء بن المعرور أن عمر رضي الله عنه خرج يوماً حتى أتى المنبر وقد كان اشتكى شكوى له فنعت له العسل وفي بيت المال عكة فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها وإلا فهي عليَّ حرام[3].

عن ابن عباس قال: قدم عمر بن الخطاب حاجاً فصنع له صفوان بن أمية طعاماً قال: فجاؤا بجفنة يحملها أربعة فوضعت بين القوم فأخذ القوم يأكلون وقام الخدام فقال عمر مالي أرى خدامكم لا يأكلون معكم أترغبون عنهم، فقال سفيان بن عبد الله لا والله يا أمير المؤمنين ولكنا نستأثر عليهم فغضب غضباً شديداً، ثم قال: ما لقوم يستأثرون على خدامهم فعل الله بهم وفعل، ثم قال للخدام: اجلسوا فكلوا فقعد الخدام يأكلون ولم يأكل أمير المؤمنين[4].

عن الحسن: أن رجلاً أتى أهل ماء فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات عطشاً فأغرمهم عمر بن الخطاب ديته[5].

عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: قدمنا مكة مع عمر فأقبل عمر ومعه الدرة فإذا أبو سفيان قد نصب أحجاراً فقال ارفع هذا فرفعه، ثم قال: وهذا وهذا حتى رفع أحجاراً كثيرة خمسة أو ستة، ثم استقبل عمر الكعبة فقال: الحمد لله الذي جعل عمر يأمر أبا سفيان ببطن مكة فيطيعه[6].

عن أسلم أن نفراً من المسلمين كلموا عبد الرحمن بن عوف فقالوا: كلم عمر بن الخطاب فإنه قد أخشانا حتى والله ما نستطيع أن نديم إليه أبصارنا، قال: فذكر ذلك عبد الرحمن بن عوف لعمر فقال: أوقد قالوا ذلك؟ فوالله لقد لنت لهم حتى تخوفت الله في ذلك، ولقد اشتددت عليهم حتى خشيت الله في ذلك وأيم الله لأنا أشد منهم فرَقا منهم مني[7].

عن عمر بن مرة قال لقي رجل من قريش عمر بن الخطاب فقال: لِن لنا فقد ملأت قلوبنا مهابة، فقال: أفي ذلك ظلم؟ قال: لا، قال: فزادني الله في صدوركم مهابة[8].

عن أنس بن مالك قال: سمعت عمر بن الخطاب يوماً، وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعته وهو يقول: وبيني وبينه جدار، وهو في جوف الحائط عمر أمير المؤمنين بخ بخ والله ابن الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك[9].

عن عبيد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب حمل على عنقه قربة فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين ما حملك على هذا قال : إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها[10].

عن الأكدر العارض قال: قال عمر بن الخطاب: تعلموا المهنة فإنه يوشك أن يحتاج أحدكم إلى مهنة[11].

عن أبي بكر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب: مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس[12].

عن عبيد الله بن كزيز قال: قال عمر بن الخطاب: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه فمن قال أنه عالم فهو جاهل، ومن قال أنه في الجنة فهو في النار[13].

عن حصين المُرّي قال: قال عمر: إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده فلينظر حيث يقوده فأما أنا فورب الكعبة لأحملنهم على الطريق[14].

عن جواب التيمي قال: قال عمر بن الخطاب: يامعشر القراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح الطريق فاستبقوا الخيرات ولاتكونوا عيالاً على المسلمين[15].
وكان عمر يميل إلى أن تكون مجتمعات الناس عامة يهوي إليها جميع الناس على اختلاف طبقاتهم وكان يكره اختصاص الناس بمجالس لأن ذلك يدعوهم إلى أن تكون لهم أراء متفرقة متباينة.






[1] تاريخ الطبري ج5


[2] أسد الغابة في معرفة الصحابة – لابن الأثير ج4


[3] تاريخ الطبري ج5


[4] سيرة عمر بن الخطاب لأبي الفرج الجوزي


[5] سيرة عمر بن الخطاب لأبي الفرج الجوزي


[6] سيرة عمر بن الخطاب لأبي الفرج الجوزي


[7] سيرة عمر بن الخطاب لأبي الفرج الجوزي


[8] تاريخ الطبري ج5


[9] سيرة عمر بن الخطاب لأبي الفرج الجوزي


[10] تاريخ ابن عساكر ج7 - مخطوط


[11] سيرة عمر بن الخطاب لأبي الفرج الجوزي


[12] سيرة عمر بن الخطاب لأبي الفرج الجوزي


[13] سيرة عمر بن الخطاب لأبي الفرج الجوزي


[14] تاريخ الطبري ج5


[15] سيرة عمر بن الخطاب لأبي الفرج الجوزي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:25

الفتوحات في عهده:

حارب المسلمون في عهد عمر بن الخطاب الروم والفرس وانتصروا عليهما في أكثر الوقعات نصراً مبيناً، مكنهم من أن يفتحوا بلاداً عامرة واسعة الأرجاء اعتزت بها تلك الإمبراطورية العربية الفتية.

فتح المسلمون في عهد عمر من بلاد الروم فحل وأجنادين وبيسان والأردن وفلسطين وجبل اللكام ودمشق وحمص وشيزر والمعرة وبعلبك وصيدا وبيروت وعرقة وقنسرين وحلب وانطاكية وجميع بلاد الشمال، ولما دخل اليأس على هرقل من الشام سار عنه إلى قسطنطينية من الرُّها في الجزيرة، فالتفت إلى الشام عند مسيره وهو على نشز وقال السلام عليكِ ياسورية سلام لا اجتماع بعده ولا يعود إليك رومي بعدها إلا خائفاً حتى يولد الولد المشؤوم – وليته لم يولد – فما أجل نفعه وأمرَّ فتنته على الروم[1].

وفتح المسلمون مصر واختلف في فتحها فقال بعضهم أنها فتحت صلحاً، وقال آخرون أنها فتحت عنوة. عن الليث قال: كان يزيد بن أبي حبيب يقول: مصر كلها صلح إلا الإسكندرية فإنها فتحت عنوة[2].

وعن عروة: أن مصر فتحت عنوة[3].

وفتح المسلمون في عهد عمر العراق، وفتحوا من بلاد الفرس المدائن والجزيرة والأهواز ورامهرمز والسوس وتستر ونهاوند واصبهان وأذربيجان والري والباب وخراسان.
والخلاصة فقد سقطت مملكة الفرس بين أيدي المسلمين فصار إليهم قطعة من الأرض يحدها من الغرب نهر الفرات ومن الشرق نهرا جيحون والسند ومن الجنوب البحر الهندي ومن الشمال بلاد أرمينية.


بعض العوامل التي جرأت العرب وساعدتهم على ذلك الفتح:

إن من يمعن النظر في أمة كانت بالأمس قبائل متفرقة متباغضة يدهش أن يراها تصبح في زمن قصير أمة قوية الشكيمة، تقهر تينك الدولتين العظيمتين دولة الرومان الشرقية البيزنطية ودولة الفرس الساسانية.

لا جرم أن لهذا الفتح عوامل جرأت العرب وساعدتهم على اكتساح سلطانهما:

جرأهم على ذلك اعتقادهم صدق الدعوة التي دعوا إليها- اعتقادهم أنهم إنما يفتحون الدنيا في سبيل الدين، وأن الله يدعوهم إلى نشر الإسلام في الأرض، وأنه من مات منهم مات شهيداً وما في الآخرة خير وأبقى.

جرأهم على ذلك تعاليم الإسلام التي أمرت بالمؤاخاة والتعاضد وتوحيد الكلمة وطرح العصبية القبيلية في زوايا الإهمال.

جرأ العرب على ذلك ضعف الروم والفرس على أثر حروب بينهما قبيل الإسلام، ويتبع ذلك ظلم الرعية وإرهاقها، وفوضى في الحكم، وانقسام في المعتقدات والآراء إلى ما هنالك من عوامل التقهقر والانحلال.

وقد زاد العرب رغبة في حرب الشام والعراق ومصر ما علموه من خصب تلك الأرضين وكثرة خيراتها، وبلادهم قاحلة لا تفي بمطامعهم.

ساعدهم على ركوب هذا المركب الخشن كونهم أهل بادية تعودوا خشونة العيش فأصبحوا لا يبالون بالجوع ولا العطش، وللإبل فضل كبير في تغلب العرب لأنها كانت تقوم عندهم مقام المركبات والخيول والماشية عند الروم، فالعربي يركب ناقته ويحمل عليها أثقاله ويغتذي من لبنها ويستريح في ظلها وهي تقتات بالعشب في الصحراء ولو يابساً وتصبر على الجوع وتحتمل الظمأ أياماً. وأما الرومي أو الفارسي فلا يستطيع الانتقال إلى الحرب إلا بالأحمال والأثقال من المؤونة والذخيرة مالا يقوى على حمله إلا المركبات، والمركبات تحتاج في جرها إلى دواب، والدواب تحتاج إلى طعام ومياه.

ساعدهم على ذلك اعتقادهم بالقضاء والقدر وأن الإنسان لا يموت إلا إذا جاء أجله ولو كان على فراشه وإذا تأخر أجله فلا يصاب بسوء ولو كان تحت مراهف السيوف، وكان هذا الاعتقاد متمكناً فيهم وهو علة معظم ما كان يبدو من بسالتهم في وقائعهم المشهورة.

ساعدهم على ذلك مهارتهم في ركوب الخيل ورمي النبال فقد كانوا أمهر من الروم والفرس فيهما.

ساعدهم على ذلك رجال صدر الإسلام وقواده في الحرب والسياسة والدهاء والحكمة والتقوى وصدق العزيمة كأبي بكر وعمر وعلي بن أبي طالب وأبي عبيدة ابن الجراح وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة، الخ.. الذين كانوا من أكبر العوامل في سرعة نجاح هذا الفتح.

ساعدهم على ذلك نجدة العرب كالغساسنة في الشام والمناذرة بنو لخم في العراق، ولم يكن هؤلاء يحبون الروم ولا الفرس، وإنما كانوا يخضعون لهم قسراً أو طمعاً بالغنائم إذا حاربوا معهم، وخصوصاً المناذرة فقد كان بينهم ضغائن على أثر مقتل النعمان بن المنذر الملقب بأبي قابوس، فكان هؤلاء العرب أقرب سائر الأمم إلى نجدة الإسلام للأسباب التي قدمناها.

ساعدهم على ذلك خط الرجعة فكانت قاعدة العرب في حروبهم المحافظة على خط الرجوع، فلا يقاتلون الفرس أو الروم إلا وهم في حوطة، وكان حفظ ذلك الخط هيناً عليهم لأنهم كانوا يجعلون الصحراء وراءهم وهي ملجأهم، فإذا اندحروا لا يستطيع الروم أو الفرس اللحاق بهم إليها، ومتى عاد العدو إلى مساكنه عاد العرب عليهم، وهكذا حتى يقلقوا راحتهم ويضعفوهم بالمطاولة والصبر ولو كانوا أقل عدداً منهم.

ساعدهم على ذلك نقمة الرعايا على حكامهم فقد تاقت أنفس كثير منهم إلى الانتقال من سلطان الروم والفرس إلى سلطان العرب فراراً من الظلم أو الضغط، وزد على ذلك أن المرء من طبعه يرجو النفع من البعيد أكثر من القريب، ويتوسم الخير في القادم المجهول أكثر مما في الحاصل المعلوم.

ساعدهم على ذلك اضطهاد اليهود، ولما جاء المسلمون لفتح الشام كانت البغضاء قد بلغت معظمها وود اليهود أن يخسروا أموالهم مع رغبتهم في الأموال في سبيل الانتقام من الروم، وكانوا عوناً للعرب عليهم يدلونهم على عورات المدن.

ساعدهم على ذلك عدل المسلمين ورفقهم وزهدهم وتسويتهم بين الناس فكان لتلك المناقب تأثير عظيم في من يدخل في سلطان المسلمين من رعايا الروم أو الفرس.

ساعدهم على ذلك إبقاء الناس على أحوالهم فكان العرب إذا فتحوا بلداً أقروا أهله على ما كانوا عليه من قبل لا يتعرضون لهم في شيء من دينهم أو معاملاتهم أو أحكامهم المدنية أو القضائية أو سائر أحوالهم، فكان فتحهم كالاحتلال العسكري في هذه الأيام، وكان ما يأخذونه من الجزية ثمناً لحمايتهم، وكان الروم قد تعودوا أداء مثل هذا المال للعرب المقيمين في حدود الشام من الغساسنة وغيرهم يبتاعون به نصرتهم على الفرس كما كان الفرس يؤدون المال إلى عرب العراق لينصروهم على الروم، فلم يكن استيلاء المسلمين ثقيلاً على الناس بل كان الأهالي كثيراً ما يفضلونهم على حكامهم الأصليين، والجزية التي كانوا يتكلفون دفعها إلى المسلمين أقل كثيراً من مجموع الضرائب التي كانوا يؤدونها إلى الروم والفرس.

قال سيديو: عود النبي الصحابة على الجهاد وأعلمهم بنحو الحديث: جعل رزقي تحت ظل رمحي إن الدنيا نصيب المؤمنين بقوة عزائمهم فغلب عليهم في الجهاد هيام ديني، ولاسيما إذا حثهم الرؤساء حين تقوم الحرب على ساقها بقولهم: إن الجنة أمامكم والنار خلفكم، فإنهم بهذه الموعظة المبشرة بالجنة والحماسة المثيرة طباع الحرب وشدة الضرب والطعن يلقون أنفسهم وسط المعركة فيفوزون في أكثر الحروب بالنصر بعد أن ينازل رئيسهم أشجع الأعداء قبل انعقاد الواقعة إلا أنهم كانوا يجهلون تعبئة الجيش فاعتنوا بمعرفة استعدادات أعدائهم الحربية وانتظاماتهم العسكرية فأخذوا يقلدونهم حتى عودوا عساكرهم الانتظام وعرفوا كيف ينتفعون بفرسانهم بوضعهم على ميمنة الصفوف وميسرتها وقت القتال، وبالجملة توالت للعرب نصرات ضعفت بها الفرس وكذا الروم المنقسمون إلى أحزاب متعادية لاختلاف أديانها، المتعودون أن يستأمنوا على مملكتهم للحماية عنها غرباء مؤجرين لا يعرفون قوة عزائم الأمة العربية ظانين أن حربها كالحروب القديمة التي كان يؤول أمرها إلى الاتفاق والصلح مع الأعداء، فضيعوا بذلك زمناً نفيساً لم يتداولوا فيه مع هؤلاء الرجال الذين كانوا إذا نصروا أو انهزموا لايزالون مصرين على إلزام العدو إما الدخول في الإسلام أو دفع الجزية مع الصغار، على أن الرعايا الرومية كانت فرحة بحكم الإسلاميين لما رأت من صدقهم في المعاهدات والمعاملات وعدم تعسفهم وإجحافهم فأخذوا الروم يسلمون، وكل من نطق منهم بالشهادتين تثبت له حقوق الإسلام، ثم تكامل اختلاط الروم بالعرب فأخذ كل عربي يتزوج بروميات في آن واحد[4].







[1] خطط الشام – لمحمد كرد علي ج1


[2] فتوح مصر وأخبارها – لابن أعين طبعة أوربا


[3] فتوح مصر وأخبارها – لابن أعين طبعة أوربا

[4] خلاصة تاريخ العرب لسيديو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:25

مقتله:

انتهت حياة ذلك الرجل العظيم والعادل المحب لرعيته بضربة خنجر أصابته سنة 23 هـ- 644 م، وليس بغريب أن الإنسان لا يستطيع أن يرضي الخلق كافة، فإن عمر إذا كان أرضى العرب بما صنعه لهم وأرضى عامة العجم بما فاض عليهم من العدل فقد أغضب كبراءهم وذوي السلطان عليهم لأنه ثل عروش مجدهم وزلزل قصور عظمتهم.

كان المسلمون يسبون من أبناء فارس ويتخذونهم لأنفسهم عبيداً، وقد أحضروا عدداً منهم إلى المدينة، وكانوا يختلفون إلى الهرمزان ملك فارس الذي أضاع عمر ملكه وأقامه بالمدينة كواحد من الناس لا فضل له على أحد، وكان من هؤلاء السبايا رجل اسمه فيروز ويلقب بأبي لؤلؤة وهو غلام للمغيرة بن شعبة.

عن المِسوَر بن مخرمة قال: خرج عمر بن الخطاب يوماً يطوف في السوق فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة وكان نصرانياً فقال يا أمير المؤمنين أعدني على المغيرة بن شعبة فإن عليَّ خراجاً كثيراً. قال: وكم خراجك؟ قال درهمان في كل يوم. قال: وايش صناعتك؟ قال نجار، نقاش، حداد. قال: فما أرى خراجك بكثير على ما تصنع من الأعمال قد بلغني أنك تقول لو أردت أن أعمل رحى تطحن بالريح فعلت. قال: نعم فاعمل لي رحى، قال: لإن سلمت لأعملن لك رحى يتحدث بها من بالمشرق والمغرب، ثم انصرف عنه، فقال عمر: لقد توعدني العبد آنفاً[1].

قال عمرو بن ميمون: شهدت عمر بن الخطاب فما منعني أن أكون في الصف الأول إلا هيبته فكنت في الصف الذي يليه وكان عمر لا يكبر حتى يستقبل الصف المتقدم بوجهه فإن رأى رجلاً متقدماً من الصف أو متأخراً ضربة بالدرة فذلك الذي منعني من التقدم، قال: فأقبل لصلاة الصبح وكان يغلس بها فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فطعنه ثلاث طعنات، فسمعت عمر وهو يقول: دونكم الكلب فإنه قد قتلني، وماج الناس، فخرج ثلاثة عشر رجلاً وصاح بعضهم ببعض دونكم والكلب فشد عليه رجل من خلفه فاحتضنه الخ[2].

ولما وجد عمر حرَّ السلاح سقط وقال: أفي الناس عبد الرحمن بن عوف، قالوا: نعم يا أمير المؤمنين هو ذا، قال: تقدم فصل بالناس، فصلى عبد الرحمن بن عوف وعمر طريح ثم احتمل فأدخل داره، ثم إن المهاجرين دخلوا على عمر وهو في البيت، فقالوا: استخلف علينا، قال عمر: والله لا أحملكم حياً وميتاً، فإن استخلفت فقد استخلف من خير مني يعني أبا بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني النبي (ص)، وبعد تردد فيما يخلفه أجمع رأيه أن يستخلف النفر الذين توفي الرسول (ص) عنهم وهو راض، فأرسل إليهم فجمعهم وهم: علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، وكان طلحة غائباً فقال: يا معشر المهاجرين إني نظرت في أمر الناس فلم أجد فيهم شقاقاً ولا نفاقاً فإن يكن بعدي شقاق ونفاق فهو فيكم تشاوروا ثلاثة أيام فإن جاءكم طلحة إلى ذلك وإلا فاعزم عليكم بالله أن لا تتفرقوا من اليوم الثالث حتى تستخلفوا أحدكم، وليصل بكم صهيب خلال هذه المدة التي تتشاورون فيها فإنه رجل من الموالي لاينازعكم أمركم، وأحضروا معكم من شيوخ الأنصار وليس لهم من أمركم شيء وأحضروا معكم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس فإن لهما قرابة وليس لهما من أمركم شيء، ويحضر ابني عبد الله مستشاراً وليس له من الأمر شيء، قالوا: يا أمير المؤمنين إن فيه للخلافة موضعاً فاستخلفه فإنا راضون به، فقال حسب آل الخطاب لحمل رجل منهم الخلافة ليس له من الأمر شيء، ثم قال: يا عبد الله إياك ثم إياك لا تتلبس بها، ثم قال: إن استقام أمر خمسة منكم وخالف واحد فاضربوا عنقه وإن استقام أربعة واختلف اثنان فاضربوا أعناقهما، وإن استقام ثلاثة واختلف ثلاثة فاحتكموا إلى ابني عبد الله فلأي الثلاثة قضى فالخليفة منهم وفيهم فإن أبى الثلاثة الأخر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين.

ثم قال: قد قومت لكم الطريق فلا تعرجوه، ثم التفت إلى علي بن أبي طالب فقال: لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك وقرابتك وشرفك من رسول الله وما آتاك الله من العلم والفقه والدين فيستخلفونك فإن وليت هذا الأمر فاتق الله يا علي فيه ولا تحمل أحداً من بني هاشم على رقاب الناس، ثم التفت إلى عثمان فقال: يا عثمان لعل هؤلاء يعرفون لك صهرك من رسول الله وسنك وشرفك وسابقتك فيستخلفونك إن وليت هذا الأمر فلا تحمل أحداً من بني أمية على رقاب الناس.

قال حذيفة: كان مثل الإسلام أيام عمر مثل أمر مقبل لم يزل في إقبال، فلما قتل عمر أدبر فلم يزل في إدباره[3].
قال كارل بروكلمان: فلم يكن محمد يموت حتى استولى هؤلاء (يعني أصحاب النبي (ص) المكيين القدماء) على زمام الأمر وكان عمر بن الخطاب أعظمهم شأناً، والروايات تصور لنا دائماً هذا الرجل الطويل القامة وهو يحمل سوطاً ينتهر به ابنته حفصة، بل ينتهر سائر أزواج النبي فيخفنه بأكثر مما يخفن محمداً نفسه وأياً ما كان فهو لم يل أمر المسلمين مباشرة بل قدم لهذه الولاية صديق الرسول الأول أبا بكر ولم يصبح هو صاحب السلطة بصورة رسمية إلا عندما توفي أبو بكر... ثم قال قتل عمر وهو في غمرة نضاله الجليل بسبيل نشر راية الإسلام وعزم الشباب لما يزل أو يكاد ملء برديه[4].







[1] تاريخ الطبري ج5


[2] الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة


[3] تاريخ ابن عساكر ج7 - مخطوط


[4] تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:26

عثمان بن عفان

ترجمته:

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي، ولد في السنة الخامسة من ميلاد الرسول (ص)، وشب على الأخلاق الفاضلة والسيرة الحسنة، وأسلم على يد أبي بكر، ثم هاجر إلى الحبشة مع زوجته رقية بنت الرسول (ص)، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة، وحضر مع النبي (ص) كل مشاهده إلا بدراً، فإنه لم يشهدها لتخلفه في تمريض زوجته رقية، وكانت له في جيش العسرة إلى تبوك اليد الطولى فقد أنفق مالاً كثيراً.

عن قتادة قال: حمل عثمان في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين[1].

واشترى بئر رومة بماله، ثم تصدق بها على المسلمين. قال ابن عبد البر النمري: واشترى عثمان بئر رومة وكانت ليهودي يبيع المسلمين ماءها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين؟ فأتى عثمان اليهودي فساومه بها فأبى أن يبيعها كلها فاشترى نصفها باثني عشر ألف درهم فجعله للمسلمين – ثم اشترى النصف الآخر بثمانية آلاف درهم[2].

وكان كاتب الوحي بين يدي رسول الله (ص)، ولما توفي الرسول (ص) كان لأبي بكر، ثم لعمر كاتباً أميناً يستشار في مهام الأمور.






[1] الاستيعاب في معرفة الأصحاب – لابن عبد البر – ج2


[2] الاستيعاب في معرفة الأصحاب – لابن عبد البر – ج2
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:28

انتخابه للخلافة:

لما توفي عمر اجتمع القوم فحلوا في بيت أحدهم فتشاوروا ثلاثة أيام، فقال عبد الرحمن بن عوف: أيكم يخرج نفسه منها ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟ فلم يجبه أحد فقال: أنا أنخلع منها، فقال عثمان: أنا أول من رضي، فقال القوم قد رضينا وعلي ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقاً لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى ولا تخص ذا رحم ولا تألوا الأمة، فقال: أعطوني موثقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير، وأن ترضوا من اخترت لكم على ميثاق الله أن لا أخص ذا رحم لرحمه، ولا آلو المسلمين، فأخذ منهم ميثاقاً وأعطاهم مثله[1].

قال المسور بن مخرمة: قال لهم عبد الرحمن بن عوف: كونوا مكانكم حتى آتيكم وخرج يتلقى الناس في أنقاب المدينة متلثماً لا يعرفه أحد فما ترك أحداً من المهاجرين والأنصار وغيرهم من ضعفاء الناس ورعاعهم إلا سألهم واستشارهم، أما أهل الرأي فأتاهم مستشيراً وتلقى غيرهم سائلاً يقول: من ترك خليفة بعد عمر فلم يلق أحداً يستشيره ولا يسأله إلا ويقول: عثمان[2].

حتى إذا كانت الليلة التي يستكمل في صبيحتها الأجل أتى عبد الرحمن منزل المسور بن مخرمة فقال: ألا أراك نائماً ولم أذق في هذه الليلة كثير غمض انطلق فادع الزبير وسعداً فدعاهما فبدأ بالزبير فقال له: خل ابني عبد مناف وهذا الأمر قال نصيبي لعلي، وقال لسعد: أنا وأنت كلالة فاجعل نصيبك لي فأختار، قال: إن اخترت نفسك فنعم وإن اخترت عثمان فعلي أحب إليَّ، أيها الرجل بايع لنفسك وأرحنا وارفع رؤوسنا، قال: يا أبا إسحق إني قد خلعت نفسي منها على أن اختار ولو لم أفعل وجعل الخيار إليَّ لم أردها- ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحد فيرضى الناس عنه، ثم انصرف الزبير وسعد، ثم دعا علياً فناجاه طويلاً وهو لا يشك أنه صاحب الأمر، ثم دعا عثمان فناجاه حتى فرق أذان الصبح بينهما، ولما صلوا الصبح جمع عبد الرحمن الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار وإلى أمراء الأجناد فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله، فقال عبد الرحمن: أني نظرت وشاورت فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا، ودعا علياً فقال عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي قال نعم: فبايعه فقال علي: حبوته حبو دهر ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك والله كل يوم هو في شأن، فقال عبد الرحمن يا علي لا تجعل على نفسك سبيلاً فإني نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان، فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله، ثم أقبل الناس يبايعون عثمان، ورجع علي يشق الناس حتى بايع عثمان، وكانت بيعة عثمان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة 23 هـ فاستقبل بخلافته المحرم سنة 24 هـ.





[1] تاريخ الطبري ج5


[2] الإمامة والسياسة- المنسوب لابن قتيبة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:29

علي بن أبي طالب

ترجمته:

هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح فربي في حجر النبي (ص) ولم يفارقه، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، فقال له الرسول (ص): بسبب تأخيره له بالمدينة: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى، وزوجه فاطمة بنت الرسول (ص)، وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، ومناقبه كثيرة يغلب فيها الشجاعة والفروسية والإقدام والقضاء.

عن أبي إسحاق أن عبد الله كان يقول: أقضى أهل المدينة ابن أبي طالب[1].

عن أبي هريرة قال: قال عمر بن الخطاب: علي أقضانا[2].

عن ابن مسعود قال: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب[3].
عن سفيان قال: ما بنى علي لبنة على لبنة ولاقصبة على قصبة[4].


انتخابه للخلافة:

كانت الكلمة العليا في المدينة إذ ذاك بطبيعة الحال لهؤلاء الغالبين الذين قتلوا الخليفة، ولم يكن في نظر جمهورهم أليق من علي للخلافة فكلموه في البيعة له فامتنع، ثم أجاب إلى ذلك، ثم قال: أيها الناس بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي وإنما الخيار قبل أن تقع البيعة فإذا وقعت فلا خيار، وإنما على الإمام الاستقامة وعلى الرعية التسليم، وإن هذه بيعة عامة من ردها رغب عن دين الإسلام وإنها لم تكن فلتة[5].وتخلف عن بيعته طلحة والزبير، ثم بايعا مكرهين، ثم استأذنا علياً في الحج فأذن لهما، وقد كانت عائشة خرجت قبل ذلك معتمرة وعثمان محصور فوافاها الزبير وطلحة، وتخلف أيضاً من الصحابة حسان بن ثابت وكعب بن مالك وأبو سعيد الخدري ومحمد ابن مسلمة، وتربص آخرون كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وصهيب وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد.









[1] الطبقات الكبير- لابن سعد طبعة ليدن ج2.


[2] الطبقات الكبير- لابن سعد طبعة ليدن ج2.


[3] الرياض النضرة في مناقب العشرة ج2


[4] أسد الغابة في معرفة الصحابة- لابن الأثيرج4.

[5] الأخبار الطوال للدينوري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:30

عزله عمال عثمان، وبعثه عمالاً على الأمصار:

فرق علي عماله على الأمصار بعد أن عزل عمال عثمان وذلك قبل أن تصل إليه بيعة أهل الأمصار، وقد حذره عاقبة ذلك المغيرة بن شعبة أولاً وابن عباس ثانياً فأبى ذلك إباءً تاماً كأنه قد وقر في نفسه أن هؤلاء العمال لا يصلحون لأن يلوا شيئاً من أمر المسلمين، وأن الإبقاء على واحد منهم يوماً كاملاً نقص في دينه، ولو كان الأمر قد استتب وبايعه أهل الأمصار لما كان في عزل الولاة شيء لأن الخليفة هو الذي يعطي الولاة سلطانهم فهو حر في اختيار عماله، ولكن هذه السرعة الغريبة لم تفهم.

قال ابن قتيبة: إن المغيرة بن شعبة دخل على علي فقال: يا أمير المؤمنين إن لك حق الصحبة فأقر معاوية على ما هو عليه من أمرة الشام وكذلك جميع عمال عثمان حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعتهم استبدلت حينئذٍ أو تركت، فقال علي: أنا ناظر في ذلك وخرج عنه المغيرة، ثم عاد إليه من غد فقال: يا أمير المؤمنين إني أشرت أمس عليك برأي فلما تدبرته عرفت خطأه والرأي أن تعاجل معاوية وسائر عمال عثمان بالعزل لتعرف السامع المطيع من العاصي فتكافئ كلاً بجزائه، ثم قام فتلقاه ابن عباس داخلاً فقال لعلي: فيم أتاك المغيرة ؟ فأخبره علي بما كان من مشورته بالأمس وما أشار عليه بعد، فقال ابن عباس: أما أمس فإنه نصح لك وأما اليوم فغشك، وبلغ المغيرة ذلك فقال: صدق ابن عباس نصحت له فلما رد نصحي بدلت قولي[1].

مع أنه قبل أن يؤخر الحد على قتلة عثمان حتى يهدأ الناس مع أن هذا حد من حدود الله. قال الطبري: واجتمع إلى علي بعدما دخل طلحة والزبير في عدة من الصحابة: فقال: يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم، فقال يا إخوتاه: إني لست أجهل ما تعلمون ولكني كيف أصنع بقوم يملكونا ولا نملكهم ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسمونكم ما شاؤوا الخ[2].

بعث علي عماله على الأمصار، فبعث عثمان بن حنيف على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وعبيد الله بن عباس على اليمن، وقيس بن سعد على مصر، وسهل بن حنيف على الشام.

وكتب علي إلى معاوية: أما بعد فقد بلغك الذي كان من مصاب عثمان واجتماع الناس عليَّ ومبايعتهم لي فادخل في السلم أو إئذن بحرب، وبعث الكتاب مع الحجاج ابن غَزِية الأنصاري، فلما قدم على معاوية وأوصل كتاب علي إليه فقرأه فقال: انصرف إلى صاحبك فإن كتابي مع رسولي على أثرك، فانصرف الحجاج وأمر معاوية بطومارين فوصل أحدهما بالآخر ولفا ولم يكتب فيهما شيئاً إلا بسم الله الرحمن الرحيم، وكتب على العنوان من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب ثم بعث به مع رجل من عبس له لسان وجسارة، فقدم العبسي على علي فناوله الكتاب ففتحه فلم ير شيئاً إلا بسم الله الرحمن الرحيم، وعند علي وجوه الناس فقام فقال: أيها الناس هل فيكم أحد من عبس؟ قالوا: نعم، قال: فاسمعوا مني وافهموا عني أني قد خلفت بالشام خمسين ألف شيخ خاضبي لحاهم بدموع أعينهم تحت قميص عثمان رافعيه على أطراف الرماح قد عاهدوا الله ألا يشيموا سيوفهم حتى يقتلوا قتلته أو تلحق أرواحهم بالله، فقام إليه خالد بن زفر العبسي فقال: بئس لعمر الله وافد أهل الشام أنت أتخوف المهاجرين والأنصار بجنود الشام وبكائهم على قميص عثمان فوالله ما هو بقميص يوسف ولا بحزن يعقوب ولئن بكوا عليه بالشام فقد خذلوه بالعراق[3].

أحب الناس أن يعلموا رأي علي في معاوية وانتفاضه ليعرفوا رأيه في قتال أهل القبلة أيجسر عليه أم ينكل عنه، وقد بلغهم أن الحسن بن علي دخل عليه ودعاه إلى القعود وترك الناس، فدسوا إليه زياد بن حنظلة التميمي فجلس إليه ساعة، ثم قال له علي: يا زياد تيسر فقال: لأي شيء، قال: تغزو الشام، فخرج زياد إلى الناس فسألوه عما وراءه فقال: السيف، ثم دعا علي ابنه محمداً فأعطاه لواءه وعبأ جنده واستخلف على المدينة قُثم بن عباس وأقبل على التجهز.







[1] الأخبار الطوال للدينوري

[2] تاريخ الطبري ج5

[3] الأخبار الطوال - للدينوري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:30

خروج عائشة والزبير وطلحة ووقعة الجمل:

وبينا هو على ذلك إذ فجأه ما هو أشد عليه من أمر الشام وهو خلاف طلحة والزبير وعائشة ومن لف لفهم، وأنهم توجهوا إلى البصرة.

قال ابن قتيبة: ولما قضى الزبير وطلحة وعائشة حجهم تآمروا في مقتل عثمان فقال الزبير وطلحة لعائشة: إن أطعتنا طلبنا بدم عثمان قالت: وممن تطلبون دمه؟ قالا إنهم قوم معروفون وإنهم بطانة علي ورؤساء أصحابه فاخرجي معنا حتى نأتي البصرة فيمن تبعنا من أهل الحجاز وإن أهل البصرة ولو رأوك لكانوا جميعاً يداً واحدة معك فأجابتهم إلى الخروج فسارت والناس حولها يميناً وشمالاً[1].

عن الشعبي قال: خرجت عائشة نحو المدينة من مكة بعد مقتل عثمان فلقيها رجل من أخوالها فقالت: ما وراءك؟ قال قتل عثمان واجتمع الناس على علي والأمر أمر الغوغاء، فقالت: ما أظن ذلك تاماً ردوني فانصرف راجعة إلى مكة حتى إذا دخلتها أتاها عبد الله بن عامر الحضرمي، وكان أمير عثمان عليها فقال ماردك يا أم المؤمنين؟ قالت: ردني إن عثمان قتل مظلوماً وإن الأمر لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمر فاطلبوا بدم عثمان تعزوا الإسلام، فكان أول من أجابها عبد الله بن عامر الحضرمي، وذلك أول ما تكلمت بنو أمية بالحجاز ورفعوا رؤوسهم وقام معهم سعيد بن العاص والوليد بن عقبة وسائر بني أمية، وقد قدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة ويعلى ابن أمية من اليمن، وطلحة والزبير من المدينة، واجتمع ملأهم بعد نظر طويل في أمرهم على البصرة، وقالت: أيها الناس إن هذا حدث عظيم وأمر منكر فانهضوا فيه إلى إخوانكم من أهل البصرة فأنكروه فقد كفاكم أهل الشام ما عندهم لعل الله عز وجل يدرك لعثمان وللمسلمين بثأرهم[2].

ولما علم عثمان بن حنيف أمير البصرة من قبل علي بقدوم عائشة وقومها انتدب رجلين، ولما وصلا استأذنا على عائشة فأذنت لهما واستخبراها عن قدومها فذكرت لهما: إن الغوغاء من أهل الأمصار أحدثوا في حرم رسول الله الأحداث واستوجبوا لعنة الله ولعنة رسوله مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا عذر، ثم سألا طلحة ما أقدمك فقال:المطالبة بدم عثمان، ثم تكلم طلحة والزبير محرضين على المطالبة بدم عثمان، وقد حصلت بين الفريقين مناوشات لا تذكر.ولما بلغ علياً مسير من سار إلى البصرة وهو يتهيأ للشام رأى أن يبدأ بهذا الفتق وبعد مراسلات ومفاوضات دارت بين جماعة علي وعائشة حصلت بينهما وقعة الجمل قتل فيها عشرة آلاف تقريباً من شجعان المسلمين وأعلامهم كطلحة والزبير وغيرهما، وبعد انتهاء هذه الوقعة أخذ علي بيعة أهل البصرة وأمر عليها عبد الله بن عباس.






[1] الأخبار الطوال - للدينوري


[2] تاريخ الطبري ج5
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:31

علي ومعاوية ووقعة صفين والتحكيم:

وَجّه علي عند منصرفه من البصرة إلى الكوفة وفراغه من وقعة الجمل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى بيعته فلما قدم عليه ماطله واستنظره، ودعا عمراً فاستشاره فيما كتب إليه فأشار عليه أن يرسل إلى وجوه الشام ويلزم علياً دم عثمان ويقاتله بهم ففعل ذلك معاوية.

روى الطبري: أن أهل الشام قد آلى الرجال ألا يأتوا النساء ولا يمسهم الماء للغسل إلا من احتلام ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قَتَلَة عثمان[1].

ولما جاء جرير علياً وأخبره بما عليه أهل الشام فلم ير إلا المسير والقتال، فخرج فعسكر بالنُّخيلة، وبلغ معاوية خروجه إليه بنفسه فخرج إليه بأهل الشام.

فلما انتهى علي إلى الرقة عبر الفرات بجسر قد نصبوه، وسار علي بجيشه حتى التقى بطلائع معاوية فكانت بين الفريقين مناوشات قليلة، ثم عسكرت الطائفتان في سهل صفين.

وبعد أخذ ورد بين علي ومعاوية زحف علي بجنود أهل العراق، وزحف معاوية بجنود أهل الشام، والتحم الجيشان، وكان النصر أولاً حليف معاوية، ثم انتصر علي انتصاراً باهراً حتى وصل جيشه إلى حرس معاوية، وبينما هم في هذه الشدة الشديدة إذ بالمصاحف قد رفعت على رؤوس الرماح من قبل أهل الشام، وقائل يقول: هذا كتاب الله بيننا وبينكم من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق لما رأى الناس المصاحف قد رفعت قالوا: نجيب إلى كتاب الله وننيب إليه.

أما علي فقال: عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم وقتال عدوكم فإن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعرف بهم منكم قد صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً فكانوا شر أطفال وشر رجال ويحكم إنهم ما رفعوها ثم لا يعرفونها ولا يعلمون بما فيها وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهاء ومكيدة[2].

فقالوا له: ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله، ثم طلبوا منه أن يبعث إلى الأشتر ليترك القتال، فأجاب الأشتر الرسول أن ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي إني قد رجوت أن يفتح لي فلا تعجلني، فرجع الرسول وكان يزيد بن هانئ إلى علي فأخبره الخبر، ولما انتهى إليه ارتفع الرَّهج وعلت الأصوات، وقال له القوم: والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل، ثم قالوا: فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك، قال له: ويحك يا يزيد قل له أقل إليَّ فإن الفتنة قد وقعت، فأتى وترك ساحة الحرب مكرهاً.

ثم بعث علي الأشعث بن قيس إلى معاوية ليسأله فقال: يا معاوية لأي شيء رفعتم هذه المصاحف، قال: لنرجع نحن وأنتم إلى كتاب الله، أمر الله في كتابه تبعثون منكم رجلاً ترضون به ونبعث منا رجلاً، ثم نأخذ عليهما أن يعملا في كتاب الله لا يعدوانه، ثم نتبع ما اتفقا عليه، فقال له: الأشعث هذا الحق فانصرف إلى علي فأخبره، فقال الناس: إنا قد رضينا وقبلنا، فقال أهل الشام: فإنا قد اخترنا عمرو ابن العاص، وقال أهل العراق: قد رضينا بأبي موسى الأشعري، قال علي: فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر فلا تعصوني الآن إني لا أرى أن أولي أبا موسى، فأبوا إلا إياه فلم يسعه إلا مسايرتهم.ثم اجتمع الحكمان وبحثا فيما جاءا لأجله وهو إصلاح مابين الناس، وبعد كلام جرى بينهما اتفق رأيهما على خلع علي ومعاوية، قال أبو موسى لعمرو: قم ياعمرو فقل وصرح بما اجتمع عليه رأيي ورأيك وما اتفقنا عليه، فقال عمرو: سبحان الله أقوم قبلك وقد قدمك الله قبلي في الإيمان والهجرة وأنت وافد أهل اليمن إلى رسول الله، قم أنت فقل، ثم أقوم فأقول، فقام أبو موسى فقال: أيها الناس إن هذه الفتنة قد أكلت العرب وإني رأيت وعمراً أن نخلع علياً ومعاوية ونجعلها لعبد الله بن عمر فإنه لم يبسط في هذه الحرب يداً ولا لساناً، ثم قام عمرو فقال: أيها الناس هذا أبو موسى شيخ المسلمين وحكم أهل العراق ومن لا يبيع الدين بالدنيا قد خلع علياً وأثبت معاوية، فقال أبو موسى: مالك؟ عليك لعنة الله ما أنت إلا كمثل الكلب تلهث، فقال عمرو: ولكنك مثل الحمار يحمل أسفاراً[3].







[1] تاريخ الطبري – ج6


[2] تاريخ الطبري ج5


[3] الأخبار الطوال - للدينوري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:31

الخوارج ووقعة النهر:

فلما سمع الناس ذلك أيقنوا أنها حيلة قد عملت، ولو أنها آلت إلى خلافة معاوية فقط لهان أمرها، ولكنها أوجبت انقسام رجال علي عليه، لأن بعضهم لاموه على قبول التحكيم وخرجوا من حكمه، وقالوا: لا حكم إلا لله وقد سموا بالخوارج، وأصبح علي بين عدوين وأهل الشام.

بلغ علياً وهو في مقامه بالنخيلة أن الخوارج اعترضوا الناس وقتلوا منهم فأرسل رسولاً ليعلم جلية الخبر فقتلوه، ولما جاءه ذلك قال الناس: يا أمير المؤمنين علام تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشام، فلم يجد بداً من موافقتهم ونادى بالرحيل فلما وصلهم أرسل إليهم أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل الشام فلعل الله يقلب قلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم، فبعثوا إليه كلنا قتلتهم وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم، ثم قامت رحى الحرب بين الفريقين وانتهت بقتل ابن وهب ومعظم من معه وتم الظفر لعلي.






معاوية بعد وقعة صفين:

وأما معاوية بعد وقعة صفين فاتجهت مطامعه إلى الاستيلاء على مصر لأنها متاخمة له وهي ذات مورد ورزق عظيم للجنود فأعمل لذلك الرأي ونجح، وذلك أن معاوية قد قوي بنتيجة التحكيم وبايعه أهل الشام بالخلافة فرأى أن يستعين بمن بها ممن ساءهم قتل عثمان، فكتب إلى مسلمة بن مخلد ومعاوية بن خديج يقويهما ويمنيهما فكتبا إليه بخبر من معهما وأنهما ممتنعون وأن ابن أبي بكر هائب لهم، وطلبا المدد، فجهز إلى مصر عمرو بن العاص.

أقبل ابن العاص مريداً مصر، وخرج إليه محمد بن أبي بكر وحصلت بينهما معركة أسفرت بفوز الجنود الشامية وبقتل محمد وانهزام جيشه، وكانت مصر لمعاوية قوة كبيرة مكنته أن يجهز البعوث إلى أطراف علي ينتقصها، فوجه بعوثاً للإغارة على عين التمر والأنبار والمدائن والحجاز واليمن وبوادي البصرة وغيرها.






تآمر الخوارج على قتل علي ومعاوية وعمرو:

عن اسماعيل بن راشد أنه اجتمع ثلاثة من الخوارج وهم عبد الرحمن بن ملجم والبُرَك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي فتذاكروا أمر الناس وعابوا على ولاتهم ثم ذكروا أهل النهر فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئاً إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد وثأرنا بهم إخواننا، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب وكان من أهل مصر، وقال البرك أنا أكفيكم معاوية، وقال أبو بكر أنا أكفيكم عمراً، فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان[1].أما ابن ملجم فقد تقلد سيفه وضرب علياً سنة 40 هـ - 661 م وهو ينادي الصلاة أيها الناس، وأما معاوية فقد أقبل البرك حتى قام خلف معاوية وهو يصلي بالغداة ومعه خنجر فوجأه به في اليته ولم يصبه مقتلاً، وأما ابن بكر فإنه أتى مصر وقام حيال المحراب ومعه ِمشمَل قد اشتمل عليه بثيابه، فأصاب عمراً مغص في بطنه فأمر رجلاً من بني عامر أن يخرج فيصلي بالناس فتقدم مغلساً فلم يشك ابن بكر أنه عمرو فلما سجد ضربه بالسيف من ورائه فقتله، ونجا عمرو من القتل.






[1] تاريخ الطبري ج6
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الأول - العصر الراشدي    الخميس 16 يونيو 2011 - 6:32

سر نجاح معاوية:

تولى علي الخلافة في دور فتنة عمياء، وفي وقت كان على جند المسلمين بالشام رجل شديد الدهاء بعيد المطامع وهو معاوية بن أبي سفيان، انتهز فرصة تقلب الأحوال في عاصمة الخلافة الإسلامية فدعا الناس إلى نفسه، وكان بما فيه من صفات القادة وخلال رجال السياسة كفؤاً لما ندب نفسه إليه، فالتفت عليه قلوب من كان قبله من جنود المسلمين وقوادهم، واستطاع بهذه القوة منازعة علي على الخلافة طوال مدة خلافته.

ومن أكبر أسباب قوته عدم تحرجه مما كان يتحرج منه الخليفة الرابع، فكان معاوية يستميل الأحزاب إليه بالأموال واجتذاب أهوائهم بالمصانعات، بينا كان علي يحاسب عماله ورجاله على الفتيل والقطمير ولا يضع درهماً في غير موضعه.

عن عبد الله بن عمير قال: حدثني رجل من ثقيف قال: استعملني علي بن أبي طالب على مدرج سابور فقال: لا تضربن رجلاً سوطاً في جباية درهم ولا تبيعن لهم رزقاً ولا كسوة شتاءً ولا صيفاً ولا دابة يعتملون عليها، ولا تقيمن رجلاً قائماً في طلب درهم، قلت: يا أمير المؤمنين إذن ارجع إليك كما ذهبت من عندك، قال: وإن رجعت ويحك إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو يعني الفضل[1].

كان معاوية بالعكس يهب مئات الألوف لأشياعه بلا حساب فاجتمعت عليه أهواء من معه ورأوا في بقائهم بقاءً لتمتعهم واستدامة لعزتهم، فلم يقصروا في الدفاع عنه طرفة عين.

ولولا هذه الأسباب لما استطاع معاوية أن يطمح ببصره إلى خلافة النبي (ص) في حياة علي حتى ولا في حياة مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما من أركان الدين وأعلام الهدى، ولكن للمال في كل زمان ومكان سلطاناً على النفوس يفوق كل سلطان.

وكان من عوامل نجاح معاوية حلمه البالغ الحد، وسياسته البعيدة الغور، ولين عريكته مع ذويه والمحيطين به، جمع حوله نفراً أمثال عمرو بن العاص وعبد الله بن سريح والضحاك بن قيس من أقطاب الدهاء والمكر من لا يشتق لهم غبار في التوسل لأغراضهم.

ومما زاد في عوامل نجاح معاوية أن علياً كان لسعة علمه وأحاطته بالأحكام يرى نفسه جديراً بأن يستبد برأيه في الأمور العظام فلا يستشير فيها أحداً فأغضب بذلك من حوله من كبار الصحابة، فكانوا ينظرون لخلافته نظر المستثقل لنيرها المحب لانتهاء أمدها.

من العوامل التي أسقطت هيبة خلافة علي مع ما كان عليه من الكفاءة العالية أنها أقيمت بيد رجال من أهل الثورة كانوا يرون لهم فضلاً عليه، وكانت نفوسهم مشبعة بأصول انقلاب لا تصلح معها لحفظ حالة معينة.

أما معاوية فإنه في هذه الأثناء أظهر كل ما يستطيع إظهاره من الدهاء والسياسة فاستمال الأحزاب بالمال وقطع ألسنة أهل المطامع بالولايات والأعطيات ولم يدع وسيلة من الوسائل إلا استخدمها لفشل أمر علي وإفساد قلوب أصحابه عليه.

فماذا يفعل علي وهو لا يستطيع دس الدسائس، ولا بذل الأموال في غير وجوهها ولا المحاباة بالولايات والأقاليم، بل كان من الورع وشدة الحرص على أمانة الله أنه شدد الحساب على عبد الله بن عباس أخص أعوانه حتى اضطره لمفارقته والشخوص إلى المدينة.






[1] أسد الغابة في معرفة الصحابة – لابن الأثير ج4
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
 
الفصل الأول - العصر الراشدي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
رسالة مصرية ثقافية :: قسم العلوم التربوية والأدبية :: التاريخ العربي :: كتاب تاريخ مختصر العالم الإسلامي-
انتقل الى: