رسالة مصرية ثقافية
مرحبا بك أخي الزائر نشكر زيارتك ونتمني انضمامك للمنتدي
زيارتك تسر إدارة المنتدي ومشاركتكك تسعدنا وتساهم معنا بارتفاع الثقافة العامة
بعض المنتديات الفرعية والموضوعات
لا يمكنك الإطلاع عليها إلا بعد التسجيل كعضو في المنتدي

رسالة مصرية ثقافية

ثقافية - علمية - دينية - تربوية
 
الرئيسيةرسالة مصريةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الفصل الثالث عشر - الشوط الطويل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: الفصل الثالث عشر - الشوط الطويل    الخميس 16 يونيو 2011 - 5:46

التاريخ القريب

يبدو أن التغير التاريخي يجري بشكل منحني تصاعدي، أي أنه يزداد حدة وتسارعاً بمرور الزمن، وليس النمو السريع في السيطرة على الطبيعة إلا علامة واحدة من علامات كثيرة، فإن السياسة أيضاً قد تغيرت بالسرعة نفسها، والقوى العظمى الأوروبية التي كانت قائمة في عام 1900 لم تعد أي منها اليوم قوة عظمى، ولم تبق منها إلا اثنتان مازالتا تحكمان ولو شكلياً كما كانت تحكمان في بداية القرن، وهما بريطانيا وفرنسا، والأولى ملكية دستورية والثانية جمهورية.

أما خارج أوروبا فإن الإمبراطوريات الاستعمارية التي كانت تبدو متينة وراسخة منذ مائة عام قبل ذلك، قد اختفت بين ليلة وضحاها في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ومن الصعب أن يميز المرء طريقه في هذه الصورة التاريخية الدائمة التغير، أو حتى أن يميز الحقائق الأساسية التي سببت تلك الانقلابات الكبيرة، ولاتبرز منها بوضوح إلا حقائق قليلة.

إحدى تلك الحقائق هي اكتمال عملية كانت قد بدأت قبل بضع مئات من السنين أي عملية تحول العالم كله أخيراً إلى عالم واحد حقاً، فقد جعلت التقنية السياسية والاقتصاد، ثم الثقافة أيضاً، من العالم عالماً واحداً، ولو أن الذين يدركون ذلك هم قلائل. ويدين هذا التحول بالكثير إلى سيطرة الشعوب ذات الأصول الأوروبية على الأرض كلها، ولكن هذه السيطرة قد انتهت من الناحيتين السياسية والعسكرية، إذ انهارت إمبراطوريات الأمس وصارت مثلها مثل نينوى وصور، بحسب تعبير رجل إنكليزي من أواخر العصر الفيكتوري إلا أن هذا الانهيار قد ترافق بنجاح فريد على الصعيد الثقافي، لأن العالم تبنى الكثير من الحضارة الأوروبية، وأن تأثيرها اليوم أوسع وأوضح من أي وقت مضى سواء أعلم غير الأوروبيين من أين أتت أم لم يعلموا، وهي سبب أساسي من أسباب هذا العالم الواحد الذي ذكرناه.

أما الحقيقة الثالثة الواضحة فهي العلم، فقد أصبح العلم تقريباً ديانة العصر، ويتوقع الجميع منه أن يأتي دوماً بالمعجزات، بل يستغربون إذا لم تحدث. لقد بدل العلم حياتنا، وكان له الدور الأكبر في جعل تاريخ هذا القرن تاريخاً دينامياً ومتسارعاً. وإن بعض الناس لاتبهجهم هذه الحقيقة بل ترعبهم، وهم يخشون أن يكون هذا التغير أسرع من قدرة البشرية بتقاليدها ومعايير سلوكها على التعامل معه من دون حصول كوارث.

ومن حسن حظ المؤرخين أن ليس عليهم أن يتنبؤوا بالمستقبل، بل لايجوز لهم أن يفعلوا ذلك، إذ أنهم لايعلمون إلا عن الماضي، والماضي مليء بالأمثلة عن التنبؤات الفاشلة، فالأحرى بهم إذاً أن يتحدثوا عن الأشياء التي حدثت. وأفضل مكان للبداية هو تلك التطورات والتيارات الممتدة خلال القرن الماضي والتي لم تتخللها إلا انقطاعات قليلة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الثالث عشر - الشوط الطويل    الخميس 16 يونيو 2011 - 5:46

السكان

كان عدد سكان العالم في عام 1900 حوالي 1.600 مليون نسمة، ثم أصبح حوالي 2.500 مليون في عام 1950. وبينما يكتب الكاتب هذه الكلمات عام 1993 تجاوز عددهم 5.000 مليون. لقد ازداد هذا العدد بمقدار 1.000 مليون، خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، وقد يبلغ العدد الكلي مايقرب من 6.000 مليون أو أقل بقليل قبل نهاية القرن العشرين، وهذا واحد من أفضل الأمثلة عن التغير المتسارع.

لقد أصبح نمو السكان اليوم أسرع بكثير جداً مما كان عليه في الماضي، وسبب هذا الأمر مخاوف واسعة، فصار البعض يخشون حدوث كوارث من النوع الذي تنبأ به مالتوس، مثلما كان الأمر عند بداية القرن. وإن سوء استخدام البيئة والازدحام والتنافس على الموارد تدل كلا على نمو غير متساو أبداً بين الدول والشعوب المختلفة، ويبدو أنه سوف يستمر على هذا النحو.

تحاول بعض المجتمعات اليوم أن تتحكم بشكلها وحجمها، ولكن هذا الأمر غير مضمون، كما أن الكثير من البلاد الفقيرة لن تقدر لزمن طويل أن تبطئ نمو سكانها بشكل كبير، ولم يبدأ معدل الولادات بالهبوط في القرن الماضي إلا في بلاد قليلة، وقد حدث هذا بعد أن ارتفع مستوى المعيشة فيها فمال الناس للعائلات الأصغر.

وإن تقدم الطب والتغذية والصحة سوف يجعل الأمور أسوأ لفترة ما، لأنه سوف يبقي على الرضع والمرضى والمسنين الذين كانوا يموتون في الأزمنة الماضية بينما صاروا ينجون، فتزداد أعدادهم وتزداد مشاركتهم في موارد تنمو بصورة أبطأ من نمو عدد السكان. وسوف يظهر فوق هذا تأثير انخفاض معدل الوفيات في العالم، كما ظهر في أوروبا بين عامي 1800-1900 وعندما يحدث ذلك سوف يرتفع عدد السكان بسرعة أكبر أيضاً.

إن بعض نتائج هذه التغيرات باتت واضحة منذ الآن، إذ لم تعد المجتمعات المتطورة بشكل أهرام، بل صارت أشبه بعواميد تستدق نحو الأعلى، لأن نسبة الأشخاص الأكبر سناً هي أكبر بكثير مما كانت عليه قبل قرن مضى. أما في البلاد الأفقر فالعكس هو الصحيح، لأنه فيها عادة نسبة غالبة من الأشخاص الأصغر سناً.

إن ثلثي سكان الصين تحت سن الثالثة والثلاثين، وتبلغ معدلات النمو أرقاماً مخيفة في دول كثيرة، فقد ارتفع عدد سكان المكسيك أربعة أمثال بين عامي 1900 و 1975، بينما ارتفع عدد سكان البرازيل ستة أمثال. وقليلة هي الدول النامية التي نجحت إلى حد ما في إبطاء معدل نمو السكان فيها أو كبحه. إن طرح تقاليد الماضي أمر صعب جداً، خاصة عندما يتعلق الأمر بشيء يهم الفرد إلى حد كبير مثل النشاط الجنسي.

لطالما كانت قوة الدول مرتبطة بعدد سكانها ولو مع بعض التحفظات، ومن المفيد أن نقارن الدول المستقلة العشر الأكثر سكاناً في عامي 1900 و 1990، وإن كانت الأرقام تقريبية:

مقارنة لأعداد السكان بين عامي 1900-1990 بالملايين


1900

1990

الصين

475

الصين

1.200

روسيا

133

الهند

800

الولايات المتحدة

76

الاتحاد السوفييتي

290

الدولة النمساوية الهنغارية

46

الولايات المتحدة

248

اليابان

45

إندونيسيا

180

ألمانيا

43

البرازيل

150

المملكة المتحدة

42

اليابان

125

فرنسا

41

الباكستان

108

إيطاليا

34

نيجيريا

105

الإمبراطورية العثمانية

25

بنغلاديش

105





يبين هذا الجدول بعض التغيرات النسبية المدهشة. وتحتوي كل من هاتين القائمتين على أقوى ثلاث دول في العالم في أيامها، مهما كانت معايير القوة التي نختارها. إلا أن عدد السكان وحده لم تعد له اليوم الأهمية التي كانت له في عام 1900.

إن الصين هي بالتأكيد قوة عظمى، ويبدو أنها سوف تظل كذلك بفضل عدد سكانها وحده لأنه يجعلها لاتقهر عسكرياً، كما أن ثورتها الاجتماعية قد بدأت بزيادة ثروتها أيضاً. أما في غيرها من الدول المزدحمة بالسكان فمازال الفقر يبدو عقبة لاسبيل لتجاوزها، سواء أكان فقراً مطلقاً أي أن الموارد الطبيعية ضئيلة كما في بنغلاديش أو نسبياً أي أن زيادة عدد السكان تبتلعها لأنها أسرع منها كما كان الحال في إندونيسيا حتى وقت قريب.

في أوائل السبعينيات كان يعتقد أن الهند باتت على أبواب الاكتفاء الذاتي في الغذاء، لأن إنتاجها الزراعي تضاعف بمقدار مثلين بين عامي 1948 و 1973، إلا أن هذه الزيادة بالكاد استطاعت أن تجاري نمو عدد السكان، الذي بلغ مليون نسمة في الشهر الواحد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الثالث عشر - الشوط الطويل    الخميس 16 يونيو 2011 - 5:47

نمو الثروة

صحيح أن أعداداً كبيرة من البشر عانت من المجاعة، إلا أن أعداداً أكبر منهم قد تمكنت من الحياة، ويعني هذا أن إنتاج العالم قد ازداد، أي أنه قد صار عالماً أغنى، فهل يمكن لهذا التيار أن يستمر؟ ليس هذا السؤال من شأن المؤرخ، بل إن كل ما يستطيع المؤرخ قوله هو أن تيار الاقتصاد العالمي على المدى الطويل، وإذا نظرنا إليه نظرة عامة جداً، هو نحو الصعود.

فقد كان هناك صعود طويل ومستمر من النشاط والثروة انقطع في عام 1914 بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى، ثم عاد نمو الثروة جزئياً في العشرينيات ليتبعه كساد عالمي وتمزق في الاقتصاد العالمي في الثلاثينيات، ثم الحرب بين عامي 1939-1945 التي أتت بالمزيد من التشوهات ولكنها سببت أيضاً تعافياً هائلاً في الإنتاج، وعاد النمو ليتابع مسيرته عالمياً بعد عام 1950 ويصبح أكثر اعتماداً بعضه على بعض بالرغم من الانقسامات السياسية الجديدة. ومازال هذا التيار مستمراً حتى اليوم رغم حدوث بعض النكسات في السبعينيات ثم في الثمانينيات.

في عام 1900 كانت بعض الدول تؤمن إيماناً راسخاً بأن النمو الاقتصادي سوف يستمر، وفي الثمانينيات كانت هذه الفكرة قد انتشرت على نطاق أوسع بكثير، بل إن الكثيرين الآن يشعرون بالأسى إذا لم تثبت الحقائق اليومية هذه الفكرة، وإن هذا لتغير هائل في تفكير البشر.

ولكن رغم هذا النمو يصح على جميع دول العالم تقريباً، فإن توزعه ليس متساوياً. لقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي GDP في كافة أنحاء العالم تقريباً منذ عام 1900 وأدى أحد الحسابات إلى التقديرات التالي لدخل الفرد محسوباً بقيمة الدولار في عام 1988:


الناتج المحلي الإجمالي للفرد في عامي 1900 و 1988


البلد

1900

1988

البرازيل

436

2.451

إيطاليا

1.343

14.432

السويد

1.482

21.155

فرنسا

1.600

17.004

اليابان

677

23.323

المملكة المتحدة

2.798

14.477

الولايات المتحدة

2.911

19.815





إن هذه الأرقام انتقائية وقابلة للشك، وهي بحاجة لتفسير حذر، ولكنها تشير إلى حقيقة أن العالم أصبح أكثر غنى، بينما بقيت بعض الدول فقيرة إلى حد فظيع، ففي عام 1988 كان الناتج المحلي الإجمالي الرسمي للفرد في كل من أفغانستان ومدغشقر ولاوس وتنزانيا وإثيوبيا وكمبوديا وموزمبيق أقل من 150 دولاراً.

لقد نزعت الثروة للنمو بصورة أسرع مع تقدم القرن، مثلها مثل عدد السكان، وإن السلام يسود بين القوى العظمى منذ عام 1945 ورغم جميع العمليات التي تشبه العمليات الحربية الجارية فنادراً ما تحاربت هذه القوى فيما بينها بصورة صريحة؛ بل إن التنافس فيما بينها كثيراً ما شجع على انتقال الموارد والمعرفة فزاد من ارتفاع الثروة الحقيقية.

وقد حصلت أولى تلك الانتقالات في أواخر الأربعينات، عندما مكنت المساعدات الأمريكية من تعافي أوروبا كمركز عالمي أساسي للإنتاج الصناعي. إن التوسع الاقتصادي الهائل في الاقتصاد الأمريكي أثناء الحرب والذي أخرجها من الكساد السابق فضلاً عن مناعة أمريكا من الأذى المادي الذي سببته تلك الحرب قد مكن من إحراز انتصار كبير، وأعاد بناء القوة الاقتصادية الأمريكية، كما عزز التوسع الهائل في التجارة العالمية طوال ثلاثين سنة تقريباً. وقد ساعدت الظروف الدولية في ذلك، إذ لم يكن ثمة مصدر بديل لرأس المال بذلك الحجم.

كانت الدول أشد رغبة من أي وقت مضى في وضع مؤسسات من أجل التعاون فيما بينها على تنظيم الاقتصاد الدولي، وكانت مصممة على تجنب العودة إلى الفوضى الاقتصادية المدمرة التي حدثت في الثلاثينات، فدفعها هذا إلى إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتفاقية العامة على التعرفات والتجارة GATTA وإن هذا الاستقرار الاقتصادي في العالم غير الشيوعي قد عزز بعد عام 1950 عقدين من النمو في التجارة العالمية بمقدار 7% تقريباً في العام بالقيم الحقيقية.

لقد ساهم العلماء والمهندسون أيضاً من ناحية أقل وضوحاً في النمو الاقتصادي على المدى البعيد، وذلك عن طريق التقنية وتحسين العمليات والأنظمة وعقلنتها، فكان هذا منحنى تصاعدياً آخر أصبح واضحاً، خصوصاً في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد أدت هذه التطورات إلى حدوث نمو عظيم في مجال إنتاج الغذاء.

إن مبيدات الأعشاب الضارة والحشرات لم تتوفر بصورة تجارية إلا في الأربعينيات والخمسينيات، ولكن مكننة الزراعة كانت عندئذٍ شائعة في البلاد المتطورة، وكان رمزها الواضح هو استخدام الجرارات. أما الآن فلم تعد المكننة مقتصرة على الحقول، إذ مكنت الكهرباء من استخدام الآلات في عمليات الحلب وتجفيف الحبوب ودرسها وتدفئة حظائر الحيوانات في الشتاء، ثم جاء أخيراً الكومبيوتر والأتمتة.

وانخفضت بذلك أهمية المجهود البشري، ففي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية مازالت القوة العاملة في مجال الزراعة تتقلص والإنتاجية لمساحة معينة ترتفع. ولكن يبدو أن أعداد المزارعين الذين يعملون لكفافهم في العالم هي اليوم أكبر مما كانت في عام 1900، وذلك بسبب زيادة أعداد البشر أصلاً . كما أن حصة هؤلاء المزارعين النسبية من مساحة الأراضي المزروعة في العالم ومن قيمة المنتوجات الزراعية فقد انخفضت.

الأغنياء والفقراء

إن الوفرة الزراعية ليست موزعة بصورة متساوية وكثيراً ما تعرضت للنكسات، فقد كانت مزارع روسيا تزود ذات يوم مدن أوروبا الوسطى والغربية بالحبوب، ولكن الاتحاد السوفييتي عانى في عام 1947 من مجاعة شديدة أدت من جديد إلى سماع روايات عن أكل لحوم البشر.

وإن تحسن الإنتاجية الذي تم على مدى مائة عام سابقة قد توقف في بعض دول أوروبا الشرقية بعد عام 1945، بل إن بعضها مرت بحال من التراجع خلال العقود الثلاث التالية. ومازالت زراعة الكفاف شائعة والإنتاجية منخفضة في الدول ذات أعداد السكان الكبيرة والمتزايدة بسرعة.

فقبل الحرب العالمية الأولى مباشرة كان إنتاج الحنطة في بريطانيا للأكر الواحد أكثر بمثلي ونصف من إنتاج الهند، وفي عام 1968 أصبح أكبر بخمسة أمثال تقريباً وفي الفترة نفسه رفع الأمريكان إنتاجهم من الأرز من 4.25 إلى حوالي 12 طن للأكر، بينما لم يرتفع في بورما وهي التي تعتبر أهراء الأرز في آسيا إلا من 3.8 إلى 4.2.

إن الزراعة المتطورة توجد عادة في الدول المتطورة من نواح أخرى أما الدول الأمس حاجة لزراعة الغذاء فيصعب عليها أن تنتجه بصورة أرخص من العالم المتطور، إلا إذا كان لديها اختصاص زراعي معين. وهكذا تجد الروس والهنود والصينيين، وهم منتجون كبار للأرز، يشترون اليوم الحنطة من أمريكا وكندا.

إن هناك مقياساً بسيطاً لتفاوت توزيع الثروة، هو مقياس الاستهلاك، ويستهلك نصف البشرية تقريباً حوالي ستة أسباع إنتاج العالم ، بينما يتقاسم النصف الآخر البقية، والكهرباء مثال جيد لأن أكثرها يستخدم في نفس البلد التي تنتجها ولايتاجر بها بين الدول إلا بمقدار ضئيل نسبياً.

فعند نهاية ثمانينيات القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة تنتج من الكهرباء للفرد مقداراً أكبر مما تنجه الهند بأربعين مرة، وأكبر من الصين بـ23 مرة، وأكبر من سويسرا بمقدار 1.3 مرة فقط.

إن الفقراء لم يزدادوا فقراً عادة إلا في بعض الحالات، ولكن الأغنياء هم الذين ازدادوا غنى بصورة كبيرة، وحتى التحسينات المذهلة في الإنتاج عجزت عن تغيير وضع الدول الفقيرة بالقياس إلى الغنية بسبب ارتفاع أعداد السكان، كما أن الدول الغنية ابتدأت بالأساس من مستوى أعلى، وإن أكثر الدول التي كانت تتمتع بأعلى مستويات للمعيشة في عام 1900 مازالت تتمتع بها اليوم، وهي الدول الصناعية الكبرى في العالم المتطور.

العالم الصناعي

لقد مرت صورة الصناعة في العالم بتغيرات واسعة في توزيعها وفي طبيعتها منذ بداية القرن العشرين، في عام 1970 ظلت ثلاثة من التجمعات الصناعية الكبرى في العالم هي نفسها التي كانت في عام 1939، أي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، والاتحاد السوفييتي.

أما في عام 1990 فقد أصبحت اليابان في المركز الثالث بينما ترجع الاتحاد السوفييتي وراء ألمانيا، وإن الصناعات الثقفيلة التي طالما ظلت عماد القوة الاقتصادية لم تعد اليوم عاملاً حاسماً، فمن بين أكبر ثلاث دول مصنعة للفولاذ في عام 1900، ظلت أول اثنتين منها أي الولايات المتحدة وألمانيا بين الدول الخمس الأولى بعد ثمانين سنة مع أن ألمانيا تقلص حجمها عما كانت عليه في عام 1900، ولكنهما أصبحتا في المركزين الثالث والخامس بالترتيب، بينما أتت المملكة المتحدة التي كانت الثالثة في عام 1900 في المركز العاشر في التجارة العالمية، وأصبحت كل من إسبانيا ورومانيا والبرازيل قريبة جداً منها.

وكثيراً ما وجدت الصناعات الجديدة بيئة أفضل في بعض الدول النامية منها في الدول ذوات الاقتصاد الناضج، ففي عام 1988 كانت الإنتاج المحلي الإجمالي للفرد في تايوان أكبر بحوالي 18 مرة منه في الهند، وفي كوريا الجنوبية أكبر بحوالي 15 مرة.

لقد ظهرت صناعات جديدة لم يكن لها وجود حتى في عام 1945، مثل الإلكترونيات والبلاستيك، كن الفحم قد حل محل الماء الجاري والخشب في القرن التاسع عشر كمصدر أساسي للطاقة في الصناعة، ولكن الطاقات الهيدروكهربائية والنفط والغاز الطبيعي انضمت إليه قبل عام 1939 بزمن طويل، وأضيفت إلى هذه كلها مؤخراً الطاقة الناجمة عن الانشطار النووي.

ولكننا نستطيع أن نميز ضمن هذه التبدلات السريعة خطاً مستمراً منذ زمن بعيد، هو النمو الهائل في إنتاج البضائع المصنوعة لاستخدام المستهلك الفرد ومتعته بصورة مباشرة. ولهذه البضائع أشكال لاتعد ولاتحصى.

نكتفي بمثال منها: في تسعينيات القرن التاسع عشر اخترع الفرنسي بانار آلة غريبة ذات أربع عجلات يمكننا اعتبارها اليوم جد السيارة الحديثة، وعندما جرى أول معرض للسيارات في لندن في عام 1896 كانت أعدادها قليلة بعد، وكانت لعباً غالية الثمن للأغنياء، إلى أن أنشأ هنري فورد في عام 1907 خط إنتاج مصمماً خصيصاً للسوق الواسعة بسعر منخفض. وفي عام 1915 كانت تصنع مليون سيارة فورد في العام الواحد، وبعد أحد عشر عاماً كان الطراز Model T يباع بأقل من 300 دولار.

لقد أمن فورد بهذا للجماهير سلعة كانت تعتبر سلعة كمالية غالية، فغير العالم بقد ما غيره قدوم السكك الحديدية قبل قرن واحد، لأن الآخرين راحوا يقلدون اختراعه ويسيرون على أسلوبه، فساهم بذلك في نشر وسيلة من وسائل الراحة والمتعة، وفي نشر شكل جديد من أشكال التلوث أيضاً في كافة أنحاء العالم.

وفي ثمانينيات القرن العشرين كانت قد ظهرت صناعة سيارات عالمية ومتكاملة دولياً، إن ثلاثة أربعا السيارات التي في العالم تصنعها اليوم ثماني شركات كبرى، ويدين النمو الاقتصادي لليابان بعد عام 1960 بالكثير لصناعة السيارات فيها، ولكنها أصبحت في عام 1990 تخفف هذه الصناعة بشكل مقصود استباقاً للمنافسة الخارجية.

وقد نتجت عن السيارة تغيرات أخرى، فإن نصف الرجال الآليين المستخدمين في الصناعة العالمية اليوم يعملون في عملية اللحام في مصانع السيارات، والربع الآخر يقوم بعملية الدهان فيها، وأدى هذا الاختراع أيضاً على المدى الطويل إلى خلق طلب كبير على البترول، ولو أن هذا الأمر كان يلوح قبل عام 1914، كما أصبح الكثير من الناس يعملون في مهن معتمدة على السيارة.

وقد ساهم فورد في تبديل طبيعة العملية الإنتاجية عن طريق الاستفادة من ابتكارات غيره في تنفيذ أفكاره، مثل الكثيرين من ذوي الأفكار الثورية. فهو لم يخترع خط التجميع التي تتصف به الطريقة الحديثة ي الصناعة بانتقال السلعة من عامل إلى آخر أو من رجل آلي إلى آخر ولكنه وسع استخداماته بشكل كبير.

وكثيراً ما استهجن الناس التأثير النفسي لهذه الطريقة على العامل، ولكنها كانت ضرورية من أجل توسيع المشاركة في الثروة. وقد رأى فورد أن هذا النوع من العمل ممل، فصار يدفع رواتب أعلى للتعويض عن ذلك، وساهم بهذا في تغذية الازدهار الاقتصادي عن طريق رفع القدرة الشرائية وبالتالي زيادة الطلب على البضائع.

الاتصالات

لقد تطورت الصناعة تطوراً ثورياً منذ عام 1945 بفضل تقنية المعلومات، أي اختراع وإدارة الآلات الإلكترونية الخاصة بمعالجتها، ونادراً ما جاءت موجات التجديد بمثل هذه السرعة، وقد تم قسم كبير من الاختراع والتطوير في هذا المجال أثناء الحرب العالمية الثانية، وسرعان ما انتشر خلال عقود قليلة إلى مجالات واسعة من الخدمات والعمليات الصناعية.

لقد ارتفعت طاقة الكومبيوترات وسرعتها ارتفاعاً سريعاً، كما انخفض حجمها وتحسنت طرق الإظهار فيها، فأمكن بذلك ترتيب ومعالجة كميات أكبر بكثير من المعلومات بسرعة لاسابق لها. وجلبت هذه التغيرات الكمية تبدلات نوعية، فعمليات الحساب التي كانت تحتاج حتى زمن قريب، حياة الكثير من علماء الرياضيات لإنجازها يمكن القيام بها الآن خلال دقائق قليلة، ولم يتسارع التطور الفكري بهذه الصورة المفاجئة من قبل قط، وفي الوقت نفسه ازدادت سعة الكومبيوترات وقوتها بسرعة مذهلة، فصار من السهل وضعها ضمن حيز أصغر فأصغر، وخلال ثلاثين سنة صارت الشريحة الدقيقة التي بحجم بطاقة الائتمان قادرة على القيام بعمل كان يحتاج في البداية جهازاً بحجم غرفة المعيشة. وتظهر التأثيرات الكبيرة لهذه التطورات في جميع نشاطات البشر، من جمع الثروات إلى خوض الحروب.

إلا أن الكومبيوترات ليست إلا الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الاختراعات في مجال الاتصالات، فقد أتى القرن التاسع عشر باستخدام البخار في النقل البري والبحري، ثم جاء المحرك الذي يعمل على البترول أو محرك الانفجار الداخلي والترام الكهربائي.

وكان المنطاد اختراعاً من القرن الثامن عشر، وقد وجدت أولى المناطيد القابلة للتوجيه ذات المحرك قبل عام 1900، ولكن أول عملية تحليق لآلة أثقل من الهواء ذات محرك وقادرة على حمل الإنسان لم تتم حتى عام 1903 وبعد ثمانين عاماً من ذلك التاريخ أصبحت قيمة البضائع المستوردة والمصدرة عبر مطار هيثرو، وهو أوسع مطارات لندن، أكبر منها في أي مرفأ بحري آخر في بريطانيا، كما صارت الطائرات اليوم هي الطريقة المألوفة في الأسفار البعيد، وهي تقدم خدمة ما كان بإمكان أحد أن يتصورها عند بداية القرن، وكان نقل المعلومات في ذلك الحين قد مر بثورة منذ حوالي نصف قرن فكانت الأعمدة التي تحمل الأسلاك للتلغراف الكهربائي على طول السكك الحديدية مشهداً مألوفاً؛ وما أن استغل ماركوني النظرية الكهرطيسية أي الكهربائية المغناطيسية لإرسال أولى الرسائل اللاسلكية حتى استغنت أجهزة الإرسال والاستقبال عن وسائل الربط المادية فيما بينها.

إن أول رسالة لاسلكية عبرت الأطلسي كانت في عام 1901، أي في أول عام من هذا القرن الذي تأثر بهذا الاختراع أيما تأثر، وفي عام 1930 لم يعد أكثر الأشخاص الذين يملكون مستقبلات لاسلكية وكان هناك الملايين منهم يعتقدون أنه يجب إبقاء النوافذ مفتوحة لكي تصل إليهم موجات البث. وكان البث الإذاعي الواسع النطاق جارياً في ذلك الحين في أكثر الدول الكبرى.

وسرعان ما أصبح نقل الصورة سهلاً مثل نقل الصوت، ففي عام 1896 جرى أول عرض سينمائي في لندن في معهد ريجنت ستريت بوليتكنيك. وفي عام 1914 صارت هناك 3.500 دار عرض للسينما في بريطانيا ودور كثيرة غيرها في الدول الأخرى. ونشأت صناعة أفلام السينما، خاصة في الولايات المتحدة، ولو أن الهند سوف تصبح في النهاية أغزر الدول إنتاجاً سينمائياً في العالم ومنذ عام 1939 كانت السينما والمذياع قد بدآ بتغيير العادات والأذواق والأفكار، وقد استخدمهما السياسيون والحكومات ورجال الأعمال المتلهفون للترويج لبضائعهم.

وربما كان تأثير هاتين الوسيلتين الإعلاميتين في معرفة ما يمكن للحياة أن تقدمه من النواحي المادية أوسع حتى من تأثير التعليم الابتدائي ومحو الأمية والصحف، ورغم التوسع العالمي الهائل في هذه الوسائل. ومع أن روسيا السوفييتية والهند واليابان قد صنعت كلها أفلاماً متميزة للاستهلاك المحلي، فقد نشرت السينما في أكثر الأحيان الأفكار والمعايير المبنية على الحياة في أمريكا الشمالية وأوروبا.

أما تأثير التلفزيون فكان أكبر حتى من هذا، لقد تم أول بث بدائي للصور على يد رجل ألماني في عام 1911، وفي عام 1936، افتتحت الـ BBC أول خدمة منتظمة للبث التلفزيوني. ولكن التلفزيون لم يثبت قدميه إلا بعد عام 1945، وكان ذلك أولاً في الولايات المتحدة ثم أصبح وسيلة إعلامية شائعة بعد عشرين سنة في الدول الصناعية الكبرى. وهو الآن المصدر الأساسي لدى جماهير الناس للتسلية والمعلومات في كافة أنحاء العالم.ومازال الجدل مستمراً حول تأثيرات التلفزيون، ولكن لاريب أنه قد أخذ الكثير من جاذبية الصحف والمذياع والسينما.

وربما افتتح عصراً جديداً من الاتصالات صارت فيه الصور تلعب الدور الأساسي بدلاً من القراءة، وربما كانت هذه أكبر قوة في التغيير الثقافي والاجتماعي، منذ اختراع الطباعة، لأنها تبعد الناس عن الكلمات وتجتذبهم نحو الصور، وتبعدهم عن التفكير وتدفعهم إلى الانفعالات بمدها وجزرها وإلى الانطباعات غير الدقيقة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الثالث عشر - الشوط الطويل    الخميس 16 يونيو 2011 - 5:47

طرق جديدة في رؤية العالم

يميل المرء عند النظر إلى العالم قبل عام 1914 إلى اعتباره عالماً مختلفاً كل الاختلاف عن عالمنا، ولكن الحقيقة أن الكثير من الأفكار والمواقف في القرن العشرين، لايمكن فهمها مالم تدرك جذورها العميقة الكامنة في القرن التاسع عشر. صحيي أن ثقافة ذلك القرن كانت ثقافة واثقة ومتفائلة وتحررية، إلا أنها كانت تشير في الوقت نفسه إلى عصر قادم من التشاؤم والمحن.

كان بعض الناس يرون في حرية التعبير والنقاش سلاحاً ذا حدين، وإذا استثنينا الأشخاص المعلمين وجدنا أن الملايين من الأوروبيين كانوا غير متعلمين، ومؤمنين بالخرافات، وأن الدين بشكله القديم والبالي ظل هو الناظم الأساسي لحياتهم، فهل من المفيد حقاً أن تضعف إيمانهم بتلك الأفكار التي يرتكزون عليها في تحديد ماهو مقبول وماهو غير مقبول؟ وإذا سمحنا لكل شيء بأن يصبح في النهاية موضعاً للشك ولم نقبل بأي معايير على أنها بديهية، أفلسنا نحكم بذلك أسس المجتمعات أصلاً؟ إن المجتمع بحاجة إلى بعض الافتراضات غير القابلة للشك.

تعود بعض تلك الشكوك إلى القلق الذي سببه عصر التنوير نفسه، بينما نشأ بعضها الآخر من مشاكل جديدة، لقد كان عنصر الشك في الحضارة الغربية عاملاً من عوامل التخريب الذاتي، ويمكننا أن نراه في أعمال تشارلز داروين، وهي من أعظم الإنجازات العلمية في القرن التاسع عشر وأشهرها. وكثيراً ما أسيء فهم أفكار داروين أو بسطت إلى درجة زائدة، إلا أن ماقاله أو ما ظن الناس أنه قاله قد صاغ طرقاً جديدة في التفكير بأمور كثيرة عدا عن البيولوجيا.

يتحدث داروين في كتابه أصل الأنواع 1859 عن عملية الاصطفاء الطبيعي التي تسمح باستمرار الأنواع الأصلح في عالم الطبيعة. وقد ظن بعض الناس أن عالم البشر يعمل بطريقة مشابهة، فصار بعضهم يبرر التنافس الاقتصادي بلا أي قيد على هذا الأساس، وكانوا يقولون أن هذا التنافس يضمن تفوق ذوي الصفات الأفضل من شجاعة وذكاء وتصميم وفطنة في الأمور العملية. وكانت هذه فكرة مريحة للذين لايعلمون ماذا يجب أن يفعلوا تجاه الخاسرين في مسابقة الحياة، فكأنهم كانوا يقولون ضمناً إن اللوم لايقع على أحد، بل إن محنتهم هذه هي نتيجة لعملية طبيعية.

مذهب الحتمية

يسمى هذا النوع من الأفكار أحياناً أفكاراً حتمية، وجوهرها أن بعض الحقائق خاصة الحقائق المادية، هي التي تحدد ما سوف يحدث على المدى الطويل، وأن الجهود الفردية ليست قادرة على تغيير ذلك بأي قدر هام. وهكذا فإن الأشخاص الذين كانوا يرفضون مثل أجدادهم فكرة أن الله يحكم العالم صاروا الآن مستعدين لتقبل فكرة أن العالم تحكمه عمليات مادية غير عاقلة.

فإذا عدنا للمثال المذكور عن أفكار داروين، وجدنا أن العوامل المحددة للتطور في هذه الحالية هي الميراث الجيني، الذي يجعل بعض الأشخاص ناجحين وبعضهم غير ناجحين. ولكن النظريات البيولوجية لم تكن المصدر الوحيد لأفكار مذهب الحتمية هذا، فقد كان بعض المفكرين يشددون على أهمية الجغرافية أو المناخ، وبعضهم الآخر على العوامل الاقتصادية.

وكانت العقيدة الماركسية الرسمية التي يؤيدها اشتراكيو المنظمة الدولية الثانية من هذا النوع، ويبدو أن خلاصتها هي أن العالم يجري على هذا الشكل بسبب القوى الاقتصادية، وأنه يتجه بصورة مطردة وحتمية نحو انتصار البروليتاريا على مضطهديها، وأن لاشيء يقدر على منع ذلك، وهي فكرة مريحة جداً أو مؤرقة جداً بحسب موقعك من دراما التاريخ.

كانت نظريات الحتمية بأشكالها المختلفة أوسع انتشاراً وقبولاً عند نهاية القرن التاسع عشر منها عند بدايته، وتشترك جميعها بناحية واحدة، هي أنها تضعف شعور الناس بالمسؤولية تجاه حياتهم بأنهم أحرار في اتخاذ القرارات التي تشكل تلك الحياة. لهذا فهي مختلفة جداً عن الأفكار المسيحية الكامنة في جذور الحضارة الأوروبية، وعن الأفكار المثالية حول حرية الفرد وسعيه نحو الحقيقة كما كان يحلم بها مفكرو النهضة والتنوير، ومختلفة حتى عن الثقة التي كانت لدى الرجال الذين افتتحوا العصر الصناعي، لأن هؤلاء جميعاً كانوا يؤمنون أن قرارات الأفراد وأفعالهم الاختيارية ذات أهمية كبيرة ويمكنها أن تغير العالم في النهاية. أما هذه الأفكار الحتمية الجديدة فكانت علامة على تفشي الشكوك لدى الناس على مستوى عميق جداً حول أمور هي في صميم ثقافتهم.

إلا أن كل مفهوم جديد ظهر في القرن التاسع عشر سرعان ما وجد له مفهوماً آخر يعارضه ضمن ذلك الجو العام، من الغليان الفكري، لهذا يصعب أن نقول ماذا كان المجتمع يعتقد بالإجمال، ربما لم تكن هذه المحاولة منطقية أصلاً. كان الناس إلى مايشيرون إلى مايرون حولهم من أشياء تقزم الفرد وتسلبه سلطته على التحكم بحياته، مثل نمو المدن العملاقة التي لايعرف فيها الناس بعضهم بعضاً، وتوسع الإمبراطوريات الصناعية التي أصبحوا فيها أشبه بأسنان عجلات صغيرة ضمن آلا ضخمة، وإلى ازدياد سلطة الحكومات أيضاً؛ فكنوا يقولون إن هذه التطورات كلها تترك فيهم شعوراً بالسلبية واللامبالاة والعجز.

ولكننا نستطيع أن نقول من ناحية أخرى إن الملايين من الناس كانوا يتمتعون في حياتهم اليومية بحرية أكبر مما كان الأمر في الماضي، لأن العلم والتقنية أعطياهم تحكماً ببيئتهم لاسابق له. فقد مكنتهم الكهرباء مثلاً من استخدام أفضل لوقتهم، لأنها أمنت لهم وسائل أرخص وأنظف وأبسط في إضاءة بيوتهم وورشاتهم. وأعطى اختراع الدراجة الملايين منهم حرية جديدة في الحركة صاروا يستخدمونها في الترفيه والعمل معاً.

ومع انتشار فكرة منع الحمل سهل عليهم أن يشكلوا حياتهم العائلية كما يشاؤون وألا يتركوا الأمور للصدفة، إلا أن هذه الحرية في الأمور العملية اليومية لابد أن تكون دفعت نظرة الناس في المجتمعات المتقدمة نحو مايسمى النزعة المادية. ولايقصد بالنزعة المادية مجرد زيادة الولع بالأشياء التي تؤمن الراحة والمتعة، بل هي تشمل ايضاً أفكاراً تعود إلى النزعة التجريبية لدى بعض مفكري عصر التنوير.

ومن العلامات الهامة الأخرى الانحسار البطيء للإيمان بعالم مافوق الطبيعة، إذ صار الناس يعتقدون أن الحياة يمكن تفسيرها بأساليب مادية صرفة، وأن العالم يمكن التحكم به من أجل تأمين شروط مادية أفضل لحياة البشر باستمرار. وكانت هذه النظرة متفائلة جداً من إحدى نواحيها، ولكنها تشير أيضاً إلى أن البشر أنفسهم ليسوا إلا نتيجة لقوى مادية، فكيف يمكن لهم إذاً ألا يخضعوا للقوانين المادية التي تحكم بقية العالم؟ وإذا كان هذا صحيحاً، فكيف يمكن أن تكون لهم أية قيمة خاصة أو جوهرية تؤهلهم لأن يعاملوا معاملة خاصة؟

التمييز العنصري

كانت بعض تلك النظريات المادية الحتمية الصاعدة تدور حول موضوع العرق، وكان تتضمن أفكاراً شريرة وخطيرة، فقد تبنى عدد من الكتاب والمفكرين أفكاراً ربطوها ربطاً غامضاً بأفكار داروين، وادعوا أن العروق البشرية لاتختلف فيما بينها بالصفات الجسمانية فقط مثل لون الجلد وشكل الملامح ونوع الشعر غيرها، ولا بثقافاتها وحدها مثل اللغة والمؤسسات، بل إنها تتباين أيضاً في صفات فطرية من حيث تفكيرها وقدراتها. وكان بعضهم يقولون أن بعض العروق تحتل مرتبة أعلى في سلم التطور، أو تحقق أهدافاً طبيعية أسمى من أهداف العروق الأخرى.

وفي جميع الحالات تقريباً كانت هذه النظريات تقول أن العرق الأبيض هو أفضل العروق قاطبة، بل إن بعض أهل أوروبا وأمريكا الشمالية صاروا يميزون ضمن العرق الأبيض نفسه ويؤكدون أن البيض التوتون أو الأنكلوسكسون هم أسمى من المتوسطيين أو اللاتين. واليوم بدأ أفراد من عروق أخرى يتبعون نفس هذا السلوك المتعجرف ويدعون أنهم متفوقون على غيرهم بالفطرة.

من السهل أن نفهم كيف استطاعت هذه الأفكار المنحرفة أن تجد لنفسها مكاناً ضمن التيار السائد من بحث عن عوامل كبيرة حاسمة تفسر للناس الصورة الإجمالية للأمور، والمؤسف أن الناس كانوا يتصرفون بحسبها، كما راح السياسيون والمروجون لأفكارهم يستخدمونها لإثارتهم وتخويفهم من الخطر الأصفر أي الشعوب المغولية التي زعموا أن توسعها يهدد أوروبا.

كما استخدمت الأفكار العنصرية لتبرير النزعة الوطنية، أو ادعاء الحق بحكم شعوب اعتبرت بطبيعتها دون الشعوب البيضاء لأنها متخلفة، ولكن أهمية هذه الأفكار ظلت قبل عام 1914 أقل بكثير مما صارت عليه فيما بعد إذ أنها قد أدت عندئذٍ إلى عواقب مريعة حقاً.

العداء للسامية

كان اليهود مضطهدين طوال العصور الوسطى وكان أكثر عذر وجده الناس مقنعاً لاضطهادهم هذا هو أنهم يستحقونه، فهم الذين صلبوا يسوع المسيح مؤسس الديانة المسيحية؛ ولم يذكر أصحاب هذه الأفكار أن المسيحيين الأوائل والمسيح ونفسه كانوا جميعهم يهوداً أتقياء.

كانت هذه التهمة طريقة فعالة في إثارة الدهماء في مجتمع العصور الوسطى، وكانت دوماً قادرة على استغلال العواطف الدينية لأهداف شريرة، وكان لدى الناس أيضاً أسباب أخرى لكراهية اليهود، فقد كان هؤلاء منذ زمن بعيد المقرضين الوحيدين للأموال، وكان لهم وجود بارز في عالم التجارة، وكثيراً ماكان المسيحيون مدينين لهم، ولم يكن لليهود مكان واضح وضروري في المجتمع الزراعي في أوروبا العصور الوسطى وحتى اليوم يعتبر بعض الناس أن المصرفيين يمكن الاستغناء عنهم. كما أن اليهود كانوا يتجمعون معاً في المدن، وكانوا متميزين عن غيرهم بصورة واضحة حتى في لباسهم، مع أن أعدادهم كانت قليلة نسبياً.

لقد زالت أيام الاضطهاد والشغب والقتل رويداً رويداً في أوروبا الغربية، ولكن المزيد من اليهود كانوا يتنقلون شرقاً أثناء العصور الوسطى إلى المملكة البولندية الليتوانية. وشيئاً فشيئاً صارت الأعداد الأقل منهم في المقاطعات المتحدة (هولندا) وإنكلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا تعامل بصورة أكثر تسامحاً، خاصة بعد الثورة الفرنسية.

وقد تحرر اليهود كثيراً في القرن التاسع عشر في جميع الدول الغربية من الظلم القانوني والاجتماعي الذي كان مفروضاً عليهم، وصاروا في عام 1900 يعيشون عادة حياة طبيعية، على الأقل بين الطبقات الوسطى والعليا من المجتمع، ولكنهم ظلوا في أكثر الأحيان غير مندمجين فيه، وكانوا يشكلون جماعة متميزة بديانتها وتعليمها ولغتها.

وكانت العبرية لغة الديانة اليهودية، بينما كان أكثر اليهود في أوروبا الشرقية يتحدثون اللغة الييدية، وهي مزيج من اللهجة الألمانية والعبرية، إلا أن الظلم الاجتماعي ظل مستمراً، وحتى اليهود الذين برزوا بروزاً عظيماً في مجالات الفنون والعلوم والتجارة والمال كانوا يظلون عادة على هامش الحلقات الحاكمة في أوروبا، وإن كان هذا الوصف لايصح على يهود الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا.

كان هذه هي الخلفية التي انتشرت عليها الأفكار الداروينية الكاذبة حول العرق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إن العداء للسامية لم يخمد قط، وكانت الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية تشجعه وكذلك النظام القيصري، وكان البعض يتهمون اليهود وغيرهم، كالماسونيين مثلاً بالتسبب بالثورة الفرنسية.

وعندما حدثت أزمة تجارية ومالية كبيرة في ألمانيا والنمسا في سبعينيات القرن التاسع عشر اتهم الكثيرون المصرفيين والممولين اليهود بأنهم سبب فقدانهم لمدخراتهم، كان اليهود يهاجرون من أوروبا الشرقية، خاصة من الجاليات ذات التفكير المحافظ والتقليدي في بولندا وليتوانيا، وكانوا يتميزون عن غيرهم بلباسهم ومظهرهم، وقد أدى قدومهم إلى المدن الكبرى في أوروبا الوسطى، خاصة فيينا، إلى الاصطدام بأهل البلاد حول موضوع الوظائف.

وقد حصلت في فرنسا سلسلة من من الفضائح المالية في ثمانينيات القرن أدت إلى بيع أكثر من مئة ألف نسخة فيها من كتاب يهاجم اليهود، مع أن فرنسا كانت أكثر الدول تسامحاً في القارة الأوروبية، وكان عدد اليهود فيها على الأرجح أقل من عدد الذين اشتروا ذلك الكتاب.

ولكن اليهود لم يكونوا يخشون العودة إلى وضعهم السابق من ناحية الدونية القانونية في أية دولة أوروبية غربية، بل ازداد البارزون منهم تقبلاً في المجتمع، وكانوا يدخلون المهن العلمية بأعداد متزايدة ، ويشتغلون بالسياسة ويرتقون فيها إلى المناصب العليا، كما استمر ازدهارهم في مجال الأعمال وسهل عليها بلوغ التعليم العالي، وكانوا بالإجمال يتطلعون إلى المزيد والمزيد من الاندماج في المجتمعات التي كانوا فيها مواطنين مساوي لجميع المواطنين الآخرين.

وقد ساهم اليهود مساهمة كبيرة بالأخص في الولايات المتحدة، وكان لهم فيها بالذات نفوذ كبير، ولم يكن هناك قبل عام 1914 إلا عدد قليل منهم يعتقدون أن على شعبهم السعي نحو هدف آخر غير الاندماج، وأن عليهم أن يشكلوا أمة مثل أية أمة أخرى في أرض معينة وضمن دولة يهودية مستقلة، وكان أولئك هم الصهاينة.

ولم تكن هذه الصورة مشوهة إلى حد كبير إلا في روسيا القيصرية، كان يعيش في روسيا حوالي خمسة ملايين يهودي عند نهاية القرن التاسع عشر أي خمس عدد اليهود الإجمالي في العالم تقريباً، وكان أكثرهم في منطقة بولندا وليتوانيا. وكانت الحكومة القيصرية تلجأ عمداً إلى الأحقاد القديمة المبنية على الخرافات، والتي أذكتها الكنيسة الأرثوذوكسية، من أجل أن تبعد عن نفسها استياء رعاياها وتفرق بعضهم عن بعض.

ومنذ ثمانينيات القرن التاسع عشر كثرت الاعتداءات المنظمة ضد اليهود، فكانت بيوتهم ومحلاتهم تسلب وتنهب، وكان المجرمون يهاجمون أحياءهم فيضربون سكانها ويقتلونهم أحياناً أو يغتصبون فتياتهم. وكانت الشرطة تنظم في بعض الأحيان هذا الشكل من الاعتداءات، وحتى عندما لاتنظمها كانت السلطات تغض الطرف عن العصابات وتدعها تقوم بالعمل بدلاً منها.

ولم يردع النظام أن اليهود كانوا بارزين في مجالات الأدب والفن والأعمال، بل إنه في الحقيقة سلبهم بعض الحقوق القانونية التي كانت بحوزتهم، وزاد من صعوبة التحاقهم بالمدارس والجامعات، فليس من الغريب إذاً أن يكون اليهود قد برزوا كثيراً في الجماعات الثورية في روسيا، وبنسبة تفوق أعدادهم في المجتمع.

عدا عن روسيا، كانت الدولة الأوروبية الوحيدة التي يوجد فيها العداء للسامية بصورة شرعية عند بداية القرن العشرين هي رومانيا، لقد كان اليهود الرومانيون يحظون بقدر لابأس به من التسامح أيام حكم الأتراك، ولكن الاستقلال السياسي جلب معه العداء للسامية، فكان النضال من أجل حرية البلاد يعتبر حملة صليبية مسيحية ضد الإسلام، وصارت رومانيا الجديدة تعامل الجماعات اليهودية المستوطنة في مقطعات الدانوب منذ قرون طويلة معاملة الغرباء حتى عام 1919. إلا أن الأوروبيين المثقفين في ذلك الحين لم يكونوا يعتبرون أوروبا الشرقية معياراً للحضارة التي ينتمون إليها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الثالث عشر - الشوط الطويل    الخميس 16 يونيو 2011 - 5:48

معالجة الطبيعة

لقد رفع القرن العلوم الطبيعية إلى مرتبة لم تبلغها من قبل قط، ولن تجد بين الإنجازات الفكرية في أي حقل من الحقول ما يجاري العلوم الطبيعية فيما قدمته من أجل تحسين فهمنا للعالم الطبيعي، إلا أن أكثر الناس مازالوا لايدركون هذا إلا من خلال تطبيقاته التقنية العملية.

في القرن التاسع عشر كانت أكثر التطبيقات العملية للعلوم تكتشف كنتيجة ثانوية للفضول العلمي، وكانت بعضها تحدث عن طريق الصدفة، ولكن في عام 1900 كان العلماء قد أدركوا أن الأبحاث الموجهة والمركزة أمر مفيد وبعد خمسين سنة أخرى باتت الصناعة الحديثة معتمدة على العلم، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، واضحة أو غير واضحة. أما الآن فقد أصبحت هذه العلاقة أمراً بديهياً، ولايستطيع المواطن العادي في دولة متطورة اليوم أن يعيش حياة لاتعتمد على العلوم التطبيقية.

إن هذا التغلغل للعلم في كافة نواحي الحياة فضلاً عن إنجازاته المذهلة كان من أسباب الاعتراف المتزايد بأهميته، ومن العلامات الهامة على هذا الاعتراف الأموال التي تصرف على تطويره والعناية التي تبديها نحو الحكومات.

فأثناء حرب 1939-1945 نهض البريطانيون والأمريكان بمجهود جبار لإنتاج أسلحة ذرية نتج عنه ماسمي مشروع منهاتن الذي قدر أن كلفته كانت مساوية لكلفة جميع الأبحاث العلمية التي قامت بها البشرية قبله منذ بداية التاريخ المسجل، كما كان السعي نحو أسلحة أفضل سبباً أساسياً للاستثمارات العلمية الهائلة التي قامت بها الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي بعد عام 1945.

ولكن هذا الأمر لم يجعل العلم مرتبطاً بدول معينة، بل إن العكس هو الصحيح، فالحقيقة أن هناك بين علماء العالم تقليداً عظيماً عمره قرون طويلة من الاتصالات فيما بينهم، وأن لديهم أسباباً نظرية وعملية وجيهة تجعلهم يتجاهلون الحدود بين الدول.

الفيزياء الجديدة

أما قصة تطور العلوم النظرية فيمكن إكمالها من سبعينيات القرن التاسع عشر، عندما نشر جيمس كلارك ماكسويل، وهو أول أستاذ في الفيزياء التجريبية بجامعة كامبردج، كتاباً حول الكهرطيسية أي علاقة الكهرباء بالمغناطيس، تناول فيه بصورة فعالة مشاكل لم يتطرق إليها علم القرن السابع عشر، ومنذ ذلك الحين لم تعد النظرة النيوتنية تعتبر كافية، وهي التي تقول إن الكون خاضع لقوانين طبيعة منتظمة يمكن اكتشافها وذات طبيعة ميكانيكية، وإن مكون في جوهره من مادة لايمكن تحطيمها توجد بتراكيب وترتيبات متنوعة فقد صار لابد الآن من ضم الحقول الكهرطيسية إلى هذه الصورة.

وتلا ذلك تأسيس النظرية الفيزيائية الحديثة عن طريق التجارب العملية، بحلول عام 1914 كان رونتغن قد اكتشف الأشعة السينية (أشعة اكس) وبيكريل قد اكتشف النشاط الإشعاعي، وتومسون قد تعرف على الإلكترون، وبيير وماري كوري قد عزلا الراديوم، ورذرفورد قد قام بأبحاث حول بنية الذرة.

ونتجت عن هذه الاكتشافات كلها صورة جديدة للكون، فلم يعد كتلاً مجمعة من المادة، بل صار أشبه بأنظمة نسبية دقيقة جداً مكونة من جزئيات مرتبة ضمن نسق معينة. وقد تبين أنها تتصرف بطرق أزالت الحدود بين المادة والحقول الكهرطيسية، كما أن نسق الجزيئات تلك ليست ثابتة، لأن أحدها قد يتحول إلى آخر في الطبيعة، وهكذا يمكن للعناصر الكيميائية أن تتحول إلى عناصر غيرها.

وعندما بين رذرفورد أن الذرات يمكن شطرها بسبب بنيتها الشبيهة بنظام من الجزيئات، كان معنى ذلك أن المادة يمكن التلاعب بها على هذا المستوى الجوهري، مع أنه كان قد قال في عام 1935 أن الفيزياء الذرية لن يكون لها تطبيقات عملية، ولم يقدم أحد على مخالفته في حينها. وسرعان ما تم التعرف على جزيئين جديدين، ومازال العلماء من ذلك الحين يكتشفون جزيئات جديدة.

وبدا بالظهور قبل عام 1930 إطار نظري جديد ليحل محل الإطار النيوتني، فبحلول عام 1905 كان ماكس بلانك وألبرت أينشتاين قد بينا تجريبياً ورياضياً أن قوانين نيوتن في الحركة غير قادرة على تفسير انتقال الطاقة في العالم المادي، لأن هذا الانتقال لايحدث بشكل سيلان منتظم بل بشكل قفزات منفصلة صار كل منها يسمى الكم أو الكوانتم.

وقد بين بلانك أن الإشعاع الحراري من الشمس مثلاً لاينبعث بصورة متواصلة كما تقتضي فيزياء نيوتن، وقال إن هذا الأمر يصح على جميع أشكال انتقال الطاقة، وقال آينشتاين إن الضوء لاينتشر بصورة متواصلة بل بشكل جزيئات، وقد زعزعت هذه الاكتشافات معتقدات الناس وأرقتهم، ورغم أن نظرة نويتن لم تعد كافية فإنه لم يكن هناك بعد نظرية عامة مثلها يمكن أن تحل محلها.

بعد عمله حول الكوانتا كان آينشتاين قد نشر في عام 1905 أفكاره عن النظرية الخاصة في النسبية، وقد بينت هذه النظرية مع أعمال لاحقة ثبتت بالتجربة في عام 1919 أنه لم يعد بالإمكان التمسك بالتمييز التقليدي بين المكان والزمان، وبين الكتلة والطاقة. ووجه آينشتاين انتباه زملائه إلى كيان مكاني زماني متصل (زمكان) يمكن فيها تداخل المكان والزمان والحركة، وأثبتت الأرصاد الفلكية بعد ذلك أن هذا الوصف يفسر حقائق لايمكن لنظريات نيوتن أن تفسرها بشكل كاف.

وأخيراً تم تقدم نظري كبير على يد عالمي الرياضيات شرودنغر وهايزنبرغ، اللذين قدما إطاراً رياضياً لملاحظات بلانك، وللفيزياء الذرية. لقد استهلت ميكانيكياً الكم على ما يبدو عصراً جديداً من الفيزياء، مع أنها سببت المصاعب لنظرية النسبية. وأدت التطورات اللاحقة إلى التنبؤ بوجود جزيئات ذرية جديدة تم التحق منها بعد ذلك بالملاحظة، ومكنت في النهاية من إحراز إنجاز هائل، هو الاستفادة من طاقة الذرة أولاً، ثم تسخيرها عن طريق الأبحاث في مجال الأسلحة في أربعينيات القرن العشرين، وقد بين هذا الأمر أن آينشتاين قد صاغ علاقة رياضية بين الكتلة والطاقة أثبتت التجربة صحتها.



ألبرت آينشتاين

في عام 1950 كانت تبدلات العلم أوسع بكثير من موضوع زوال قوانين نيوتن كمجموعة من القوانين العامة المعترف بها، وقد ظلت على كل حال كافية لأكثر الأغراض العملية رغم تعقيده الرياضي كان عالم نيوتن في جوهره عالماً ذا بنية بسيطة، ومبنياً على قوانين أساسية يمكن للشخص العادي أن يفهمها.

أما الصورة التي جاءت بها الفيزياء الجديدة فلم تكن سهلة الفهم أبداً ولا حتى في خطوطها العامة، فقد زال مفهوم القانون العام برمته ليحل محله مفهوم الاحتمال الإحصائي كأفضل ما يمكننا الحصول عليه. ثم انتشرت هذه النزعة من الفيزياء إلى غيرها من العلوم. وهكذا تغير مفهوم العلم فضلاً عن تغير محتواه، كما أن الحدود بين العلوم انهارت تحت تدفق المعرفة الجديدة التي سمحت بها النظريات وأساليب التجربة الجديدة.

وحصل تداخل بين العلوم، مثل تطبيق النظريات الفيزيائية في علم الأعصاب، أو تطبيق الرياضيات في علم البيولوجيا، وأصبحت فكرة التأليف بين المعرفة التي كانت حلم القرن التاسع عشر أمراً أبعد عن التحقيق، لقد صارت المعلومات الجديدة تتراكم بسرعة عجيبة، وقد لايمكن معالجتها أحياناً إلا في الكمبيوترات الحديثة، فكانت هذه صعوبة أخرى. ولم يحدث تقدم واضح نحو نظرية شاملة يمكن للشخص العادي أن يفهمها مثلما كانت الحال في نظريات نيوتن.

العلوم البيولوجية

كان هناك شعور في منتصف الخمسينيات بأن عصا القيادة قد انتقلت من العلوم الفيزيائية إلى العلوم البيولوجية، كان تقدم العلوم البيولوجية قد ابتدأ باختراع المجهر في بداية القرن السابع عشر، وكشف هذا الاختراع أن النسيج الحي مؤلف من وحدات متميزة سميت فيما بعد بالخلايا.

وفي القرن التاسع عشر عرف الناس أن الخلايا يمكنها أن تنقسم وأنها تتطور بشكل منفرد، وفي عام 1900 صارت دراسة الخلايا المنفردة تعتبر مقاربة أساسية وواعدة لدراسة الحياة، وصار تطبيق الكيمياء فيها واحداً من المناحي الأساسية في الأبحاث البيولوجية.

وكان علم البيولوجيا في القرن التاسع عشر قد استهل أيضاً فرعاً جديداً من العلوم هو علم الوراثة، أي دراسة انتقال الصفات من الأبوين إلى ذريتهما. وكان داروين قد ذكر مبدأ الوراثة كوسيلة لانتقال الصفات التي يشجعها الاصطفاء الطبيعي، ولكن أولى الخطوات نحو فهم الآلية التي يحدث فيها ذلك الانتقال قد تمت عن يد الراهب النمساوي غريغور مندل. فقد أجرى مندل سلسلة دقيقة من التجارب على مزاوجة نباتات البازلاء، فاستنتج منها وحدات وراثية تتحكم بالتعبير عن الصفات التي تنتقل من الأبوين إلى ذريتهما، وصار مقبولاً أن هذه الوحدات ذات طبيعة مادية، وفي عام 1909 أطلق عليها رجل دنمركي اسم الجينات Gene.

ثم حلت شفرة الكيمياء الخلوية شيئاً فشيئاً، كان معروفاً منذ عام 1873 أن ثمة مادة في نواة الخلية قد تضم أكثر من عنصر حاسم في تركيب المادة الحية، ثم كشفت التجارب عن وجود مكان للجينات على الصبغيات (الكروموسومات) يمكن رؤيته، وتبين في الأربعينيات أن الجينات تتحكم بالتركيب الكيميائي للبروتين، وهو أهم مكونات الخلايا.

في عام 1944 تم اتخاذ الخطوات الأولى نحو تحديد العامل الذي يسبب التغيرات في بعض الجراثيم ويتحكم بالتالي في بنية البروتين، وعرف في الخمسينات أن هذا العامل هو الـDNA، كما عرف في عام 1953 أنه بشكل لولب مضاعف. وتكمن الأهمية الكبرى لهذه المادة في أنها حاملة المعلومات الجينية التي تحدد تركيب الجزيئات البروتينية الكامنة في أساس الحياة، وهكذا صار بالإمكان أخيراً معرفة الآليات الكيميائية الكامنة وراء تنوع الظواهر البيولوجية.

لقد كان هذا تحولاً نفسياً في فهم الإنسان لذاته لامثيل له، منذ أن قبلت أفكار داروين في القرن السابق ومازلنا بعيدين عن رؤية نتائجه الكثيرة.

ربما كانت معرفة بنية الـDNA وتحليله أوضح خطوة نحو معالجة الطبيعة، وهي تشير إلى إمكانية تعديل أشكال الحياة بصورة مقصودة. وقد أدى هذا الاكتشاف مثل غيره إلى مزيد من المعرفة وإلى مجالات جديدة من الأبحاث والتطبيقات، وسرعان ماصارت تعابير البيولوجيا الجزيئية والتقنية البيولوجية والهندسة الوراثية تعابير مألوفة.

لقد تبين أن جينات بعض الكائنات الحية يمكن تعديلها بحيث تمنح تلك الكائنات صفات جديدة ومرغوبة، فعن طريق معالجة عمليات نمو الخميرة وغيرها من الكائنات مثلاً، يمكن إنتاج مواد وأنزيمات جديدة.

وهكذا تم أخيراً تجاوز الخبرة التجريبية المتراكمة منذ آلاف السنين في صنع الخبز والنبيذ والجبن، ويمكن تعديل جينات الجراثيم لإنتاج المواد الكيميائية والهرمونات. وفي أواخر الثمانينيات تم إطلاق برنامج أبحاث على نطاق العالم كله، هو مشروع الجينوم البشري أي مجموع الجينات، وهو مشروع طموح للغاية هدفه رسم خريطة الجينات البشرية من اجل معرفة مكان وتركيب ووظيفة كل جين فيها.

يوجد من 50.000 إلى 100.000 جين في كل خلية، في كل منه 30.000 زوج من وحدات كيميائية أساسية أربع تشكل الشيفرة الوراثية، ويمكن الآن الكشف عن وجود بعض الجينات المعيبة، بل حتى استبدال بعضها، وإن لهذا الأمر نتائج طبية واجتماعية وأخلاقية هائلة. كما يمكن اليوم تحليل الـDNA من اجل التعرف على شخص ما من خلال عينة من الدم أو السائل المنوي في المسائل الجنائية، ولو أن الجدل مازال مستمراً حول حدود هذه الطريقة.

الفضاء

إن تحديد مستوى التأثيرات الثقافية والاجتماعية والسياسية للأفكار مشكلة قديمة عند المؤرخين، ورغم التطورات العجيبة في الفيزياء والبيولوجيا فإن أكثر الناس قد لايشعرون بأهميتها العلمية ولو بصورة تقريبية، ويصح الشيء نفسه على التوسع الهائل الذي حصل مؤخراً في عالمنا المادي بفضل رجال الفضاء والأقمار الصناعية.

لقد بدأت أحلام استكشاف الفضاء ومعانيه بالظهور في الخيال العلمي في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، وتعود التقنية التي سمحت به إلى نفس الزمن تقريباً، فقبل عام 1914 كان العالم الروسي تسوليكوفسكي قد صمم صواريخ متعددة المراحل وابتكر الكثير من المبادئ الأساسية لريادة الفضاء. ثم انطلق أول صاروخ سوفييتي يعمل بالوقود السائل لمسافة ثلاثة أميال تقريباً خمسة كيلو متر في عام 1933، وانطلق صاروخ ذو مرحلتين بعد ست سنوات أخرى، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية التي حفزت ألمانيا على بدء مشروع صواريخ كبير، اعتمدت عليه الولايات المتحدة فيما بعد لتبدأ برنامجها في عام 1955.

إلا أن أكثر الناس يعتبرون أن عصر الفضاء قد ابتدأ في تشرين الأول/أكتوبر 1957، عندما أطلق السوفييت صاروخاً يحمل قمراً صناعياً من دون إنسان، هو سبوتنيك1، الذي سرعان ماراح يدور في مساره حول الأرض وهو يبث الإشارات اللاسلكية، ولقد كانت تلك خاتمة حقبة الشك بإمكانية ريادة الإنسان للفضاء.

لقد سبب سبوتنيك1 تداخل استكشاف الفضاء بالمنافسة بين القوتين العظميين، فابتدأ الأمريكان بأجهزة أكثر تواضعاً من الروس، وكان هؤلاء يسبقونهم أصلاً، ولم يكن وزن أول قمر صناعي أمريكي إلا ثلاثة أرطال 1.5 كغ، بينما كان سبوتنيك1 يزن 184 رطلاً/83 كغ، وقد حطم نجاحه ثقة الأمريكان بأن تقنيتهم سوف تتفوق حتماً على تقنية الاتحاد السوفييتي.

وفشلت أول محاولة إطلاق أمريكية بعد قدر كبير من الدعاية لها، بينما استطاع الروس خلال شهر واحد من سبوتنيك1 إطلاق سبوتنيك2، الذي نجح نجاحاً مذهلاً وكان وزنه نصف طن ويحمل أول مسافر إلى الفضاء، وهي كلبة هجينة سوداء وبيضاء اسمها لايكا، وقد غضب محبو الكلاب أيما غضب لأنها لن تعود بعد دورانها مدة ستة أشهر حول الأرض.



سبوتنك 1

ثم افترق برنامجا الروس والأمريكان بعد ذلك إلى حد ما فصار الروس يركزون على القوة والحجم ورفع أثقال كبيرة عن طريق الصواريخ، وكانت الناحية العسكرية لهذا الاهتمام واضحة، بينما اهتم الأمريكان بجمع المعلومات وتطوير الأجهزة، ولهذا الاهتمام أيضاً نواح عسكرية عميقة ولو أنها أقل وضوحاً. ورغم كثرة الحديث في ذلك الحين عن سباق الفضاء فإن المتسابقين في الحقيقة كانا يجريان نحو هدفين مختلفين.

ثم نجح الأمريكان في إطلاق القمر فانغارد في آذار/مارس 1958 بعد فشله في كانون الأول/ديسمبر من العام السابق، فقطع ضمن الفضاء مسافة أبعد بكثير من أي قمر قبله، وقدم أكبر قدر من المعلومات القيمة حتى ذلك الوقت، بالنسبة لحجمه الصغير. وفي نهاية عام 1958 كانوا قد نجحوا في إطلاق أول قمر صناعي لأغراض الاتصالات، وسرعان ما سجل سبقاً جديداً هو استعادة قمرة كبسولة فضائية بعد عودتها إلى جو الأرض.

بعض ذلك وضع الروس القمر سبوتنيك5 في مسار حول الأرض ونجحوا في استعادته، وهو قمر وزنه 4 أطنان ونصف الطن يحمل كلبين وقد عاد إلى الأرض بسلام، وفي العام التالي في يوم 12 نيسان/إبريل 1961 انطلق صاروخ روسي يحمل رجلاً هو يوري غاغارين، الذي هبط على الأرض بعد 108 دقائق من قيامه بدورة واحدة حولها. وهكذا بدأ غزو الفضاء من قبل أعظم الضواري على الأرض، أي الإنسان العاقل.

في شهر أيار/مايو 1961، أعلن الرئيس الأمريكي عزمه على أن تحاول الولايات المتحدة إرسال رجل إلى سطح القمر وإعادته إلى الأرض سالماً قبل نهاية العقد، وقال إن هذا المشروع يشكل هدفاً قومياً طيباً، وأنه سوف يبهر البشرية، وذو أهمية كبيرة في استكشاف الفضاء، وأنه سوف يكون على درجة لامثيل لها من الصعوبة والتكلفة، وهذه الحجة الأخيرة غريبة بعض الشيء، وسرعان ماوجد المال اللازم للمشروع.

ومع أن الروس ظلوا يحرزون تقدم باهر فقد انتقل الألق إلى الأمريكان بعد عام 1967، ففي عام 1968 أرسل الأمريكيون مركبة فيها ثلاثة رجال حول القمر وبثوا صوراً تلفزيونية لسطحه، وفي أيار/مايو 1969 اقتربت المركبة التي أطلقها الصاروخ العاشر في المشروع إلى مسافة ستة أميال/9.5 كم عن القمر لتقييم تقنيات المرحلة الأخيرة من الهبوط، وبعد أسابيع قليلة في 16 تموز/يوليو انطلق طاقم مكون من ثلاث رجال في المركبة أبولو11، التي هبطت مركبتها القمرية على سطح القمر بعد أربعة أيام وفي صباح اليوم التالي12 تموز، كان أول إنسان يطأ سطح القمر هو نيل أرمسترونغ قائد البعثة.

وهكذا تحقق الهدف قبل الوقت المحدد، ولم يكن هذا النصر تأكيداً جديداً على قدرة أمريكا فحسب، بل كان أيضاً علامة على آخر توسع لبيئة البشرية وأعظمها، أي بداية حياة الإنسان على الأجرام السماوية الأخرى.

قبل أن يغرس الأمريكيون علم بلادهم على سطح القمر كانت بعثة سوفييتية قد ألقت عليه راية صغيرة للاتحاد السوفييتي، وقد بدا هذا نذير شؤم بأن الشعور الوطني قد يسبب النزاعات في الفضاء، ولكن رغم أن تنافس الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قد أدى بلا شك إلى ازدواج في الجهود والأخطاء وهدر كبير لها، فإن استكشاف الفضاء قد مال بمرور الزمن إلى التعاون بين الدولتين، ثم انضمت إليه أيضاً دول أخرى أوروبية وآسيوية.

ومن حسن الحظ أنه سرعان ما تم الاتفاق على أن الأجرام السماوية ليست قابلة للاستملاك من قبل أية دولة، أي أن النزاع القديم على الجزر والمستعمرات لن يتكرر ثانية في الفضاء، وفي تموز/يوليو 1975، وعلى ارتفاع 150 ميلا 240كم فوق سطح الأرض، أضحى هذا التعاون بين الدول حقيقة مذهلة عندما تم ربط مركبتين سوفييتية وأمريكية إحداهما بالأخرى وراح طاقماهما يتنقلان فيما بينهما، واستمر استكشاف الفضاء في جو دولي مسالم نسبياً بالرغم من الشكوك والمخاوف.

لقد قام قمر صناعي غير مأهول بالاستكشاف البصري للفضاء الواقع وراء كوكب المشتري، كما تم أول هبوط لمركبة استكشاف غير مأهولة على سطح المريخ، وجرت الرحلة الأولى لمكوك الفضاء الأمريكي في عام 1977، وهو أول مركبة فضائية يمكن إعادة استخدامها، وكانت هذه كلها إنجازات عظيمة.

وقد أصبحت فكرة السفر في الفضاء فكرة مألوفة بسرعة عجيبة، بحيث لم يعد من المضحك كثيراً في الثمانينيات أن يفكر المرء بحجز مكان في رحلات مأجورة، أو حتى بالدفن في الفضاء إذا صح استخدام هذه الكلمة، ومع اقتراب العقد من نهايته جاء آخر إنجاز كبير لمجهود الفضاء السوفييتي في عام 1988 عندما تم إطلاق قمر صناعي يمهد الطريق لرحلة مستقبلية مأهولة إلى المريخ. ولكن تبين في التسعينيات أن الكلفة الباهظة لتلك الطموحات نسبة إلى فعاليتها لن تسمح لها بالتحقق القريب، ولاحتى في الولايات المتحدة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الثالث عشر - الشوط الطويل    الخميس 16 يونيو 2011 - 5:49

المرأة

من أوضح التغيرات في القرن العشرين وأكثرها حدة التغيرات التي حصلت في أوضاع المرأة، مع أنها بالطبع أثرت أيضاً تأثيراً عميقاً وغير مباشر في النصف الآخر من المجتمع، مازال أمام هذه التغيرات طريق طويل، ولكنها تدل على منعطف تاريخي كبير وهام، ولم يعد من الممكن أن تعود إلى الوراء، وإن هذه التغيرات التي لم تبرز إلا مؤخراً لها هي الأخرى جذوراً تاريخية عميقة ولايمكن تقييمها بصورة مفيدة إلا على المدى الطويل.

إن الدافع الإيجابي وراء تحرير المرأة وتوسيع خياراتها قد أتى كله من التقاليد الثقافية لأوروبا الغربية، وإذا أردنا أن نروي القصة كاملة فيجب علينا أن نبحث في التراث الكلاسيكي واليهودي المسيحي عن البذور التي أعطت ثمارها الحالية. وليس لدينا هنا حيز كاف للعودة إلى ذلك الماضي البعيد ولكن هذه الخلفية يجب أن تظل في أذهاننا.

إن الكثير من الأفكار التي صارت اليوم بديهية حول مايمكن للمرأة أن تفعله بحياتها وكيف يمكن للتعليم أن يساعدها في ذلك يمكن تمييزها بوضوح للمرة الأولى في القرن الثامن عشر ففي ذلك العصر ظهرت أولى المطالب الواضحة بمعاملة أكثر عدلاً للنساء.

وقد لعبت الثورة الفرنسية دوراً هاماً في بروز تلك الأفكار، بصورة إيجابية وبصورة سلبية أيضاً، إن كثرة الحديث عن حقوق الإنسان العالمية قد حرضت النساء على المطالبة بحقوق أوسع لهن، كما أنها لوثت سمعتهن بصفة العصيان والتخريب. والحقيقة أن المرأة لم تحرز الشيء الكثير في فرنسا نفسها، لأن الثوار رغم اندفاعهم الكبير لتحرير الرجل كانوا يعتبرون أن مكان المرأة الطبيعي هو البيت. والنساء اللواتي حاولن المشاركة في السياسات الثورية تم تجاهلهن، بل إن إحدى قادتهن قد قطع رأسها على المقصلة.

أما في إنكلترا فكانت النساء يتمتعن بقدر أكبر من الحرية في حياتهن اليومية مما كانت عليه في أكثر أنحاء أوروبا، وقد تبنت امرأة بارزة هي ماري ولستونكرافت قضية المرأة، ونشرت في عام 1792 كتاباً عنوانه دفاع عن حقوق المرأة فأثارت بغضاً عنيفاً، وسماها أحد السياسيين ضبعاً في لباس امرأة لأن الحديث عن تغيير أدوار الجنسين كان يسبب بالطبع تخوفاً شديداً بين الذكور، ويمكننا اعتبار كتابها هذا حجر الأساس للحركة النسائية الحديثة، وقد جلب إلى هذه القضية اهتماماً أوسع من أي مؤلف قبله.

الحقوق السياسية

خلال القرن التاسع عشر ازداد الضغط من أجل توسيع حقوق المرأة وتعزيزها، وازدهرت هذه القضية ولو ببطء وبدرجات متفاوتة، وكانت قد أحرزت إنجازات كثيرة بحلول عام 1914 فكانت النساء في بعض الدول قد كسبن حق التصويت في الانتخابات، وهو ما اعتبرته بعضهن مفتاح السلطة السياسية.

ففي عام 1890 منحت ولاية وايومنغ الأمريكية النساء حق انتخاب أعضاء الكونغرس، ورئيس الولايات المتحدة وكان لهن حق انتخاب الحكومات المحلية في ولايات عديدة، بل إن إحدى النساء قد ترشحت لمنصب رئاسة الجمهورية وتبعت هذا النهج ثلاث ولايات أخرى خلال السنوات العشر التالية كما أعطت كل من نيوزيلاندا وأستراليا الغربية والجنوبية النساء حق الاقتراع أيضاً، وحصلت النساء الفنلنديات على حق الانتخاب في عام 1907 وانضمت ست ولايات أمريكية أخرى إلى هذه الحركة بحلول عام 1914 وفي ذلك الحين صرت تجد الحركات السياسية المنادية بحق الانتخاب للمرأة في دول كثيرة، حتى في الهند.

أما الدول التي لم يستجب فيها المشرعون الذكور لهذه الحجج فقد واجهت مطالبات شديدة حول هذا الموضوع، لقد لجأت بعض النساء في بريطانيا إلى العنف، فرحن يحطمن النوافذ ويصببن الحمض في علب البريد ويهاجمن السياسيين جسدياً من أجل لفت الانتباه إلى مطالبهن.

ولكن الانتباه الذي كسبته حركة النساء المطالبات بحق الانتخاب لم يكن دوماً لصالحها، فقد سببت عداءً لدى الكثيرين من الرجال والنساء معاً، لأنه أثار المخاوف من تغيرات عميقة جداً في العلاقة بين الجنسين. ومازالت الخطوات العنيفة باتجاه المساواة بين الجنسين تسبب ردود فعل مشابهة.

المرأة والمهن العلمية

إن القوى التي دفعت النساء إلى المزيد من المساواة والحرية كانت تعتمد على رغبة خصومهن في ذلك، كان انتشار فكرة تعليم المرأة قد بدل حياة الفتيات في أسر كثيرة بين عامي 1800-1914. ففي هذا التاريخ الأخير كانت النساء يلتحقن بالجامعات في الولايات المتحدة وجميع الدول الأوروبية الكبرى، وكانت مدارس البنات فقد نمت نمواً كبيراً، بينما لم يكن التعليم متاحاً في عام 1800 إلا في حالات نادرة ومن خلال مدرسين خصوصيين أو في بعض أديرة الراهبات.

وكانت النساء قد بدأن بالمساهمة في العلوم، وإن أول امرأة شهيرة في هذا المجال هي ماري كوري، العالمة البولندية التي نالت جائزة نوبل في الفيزياء مشاركة في عام 1903، ثم خلفت زوجها كأستاذة في السوربون في عام 1906، ونالت جائزة نوبل ثانية بمفردها في الكيمياء بعد خمس سنوات من أجل أعمالها حول الراديوم. ولم تحصل النساء على حق التصويت في فرنسا التي عاشت فيها وتجنست حتى عام 1946.

وفي عام 1914 صارت هناك نساء طبيبات ومحاميات ومدرسات جامعيات وعاملات في مجال الخدمات الاجتماعية، ومع أن التعليم بمستوياته العليا لم يكن متاحاً إلا لأقلية ضئيلة، فقد ساهم في تبديل خيارات المهن المتاحة للمرأة. وكان بلوغ تلك المهن العلمية صعباً بسبب قلة المرافق التعليمية في القرن التاسع عشر، وبسبب المخاوف المتعلقة بحشمة المرأة.

ومن النساء البارزات اللواتي خدمهن جنسهن من هذه الناحية الإنكليزية فلورنس نايتنغيل، التي صارت معروفة بفضل إيجادها للخدمات الطبية للجيش البريطاني في حرب القرم بجهودها المنفردة، ثم سعيها الذي لايكل في سبيل تحسين وضع الجندي العادي، وقد نجحت في ذلك أيضاً، واستفاد الجنود من هذا التطور كما استفادت المرأة على المدى البعيد.

ومن المساهمات الكثيرة للآنسة نايتنغيل في تحسين أحوال البشرية أنها خلقت مهنة جديدة للمرأة بأن جعلت مهنة التمريض مهنة محترمة، فحت ذلك الوقت كانت النساء الوحيدات المحترمات اللواتي يعملن في رعاية المرضى هن أعضاء الجمعيات الدينية من كاثوليكية وبروتستنتية، وكان نايتنغيل قد تدربت عند البروتستنت الألمان. وعدا عنهن كانت رعاية المرضى تترك بيد نساء جاهلات وغير مدربات، كما أنهن بلا أخلاق بل مجرمات تماماً في بعض الأحيان، أما فلورنس نايتنغيل فقد أصرت على مستوى عال من النظافة والانضباط والاحترام لدى ممرضاتها، كما دربتهن بطريقة جديدة بحيث يمكنهن تقديم مساهمة منظمة وجدية في عملية شفاء المرضى، فكانت تلك مساهمة كبيرة في تطور الطب أيضاً.

بحلول عام 1914 كانت السياسة والمهن العلمية دلالات أكيدة على عبور نقطة حاسمة، ولو بقي الطريق طويلاً بعد، واستمر الصراع بنشاط على جبهات كثيرة من دون أن تكون الكثير من النساء واعيات لما كان يتم من أجلهن، لقد اعتبرت سيدة أمريكية هي أميليا بلومر أن النساء لسن مضطرات لارتداء التنورة، وكانت التنانير في ذلك الحين طويلة ويسهل تجمع الغبار فيها، فاخترعت نوعاً من البنطال رأته مناسباً للمرأة ، وأثارت قدراً كبيراً من السخرية عندما ارتدته إلا أن اسمها قد دخل اللغة الإنكليزية في كلمة Bloomers* فخلد اسمها بذلك في هذا الاختراع المتواضع.

وإلى جانب تلك الجهود البطولية لدعاة حقوق المرأة كانت تجري تغيرات أكثر أهمية لأنها سوف تؤثر في حياة أعداد أكبر منهن، وأن الناس لم يكونوا في حينها واعين لمدى أهميتها.



ال Bloomers

عمل المرأة

في القرن الثامن عشر بدأ يظهر في بعض الأماكن أن الصناعة سوف تقدم للنساء طرقاً جديدة وكثيرة في كسب معيشتهن، لقد كانت النساء يكدحن دوماً في الحقول، ربما منذ اختراع الزراعة نفسها، ومازال الوضع كذلك اليوم في بلاد كثيرة، ولطالما كسبن معيشتهن من العمل كعبدات في البيوت، وعندما زالت العبودية أصبحن خادمات بيتيات مأجورات، وكن دوماً يعملن في غزل الخيوط في البيت، بينما كان النسيج عادة مهنة للرجال لأن العمل على النول عمل شاق، ومن هنا أتت كلمة Spinster *، لأن الغزل كان طريقة كسب الخبز اليومي للواتي لم يحالفهن الحظ بالزواج.

وقد غير التصنيع حياة المرأة من هذه الناحية، لأن ارتفاع الطلب على الخيوط المغزولة سهل عليهن أن يحصلن على المزيد من العمل في البيت، ثم كانت الخطوة التالية هي الانتقال إلى المدينة، حيث ظهرت المعامل الأولى، من أجل العمل في غزل القطن، صحيح أن هذه المهنة لم تكن صحية أو محفزة للفكر، إلا أن حياة الفلاحة ليست كذلك أيضاً، فكان هذا توسعاً حقيقياً في خيارات المرأة.

وازداد حصول النساء على التعليم وعلى الوظائف الصناعية كثيراً في القرن التاسع عشر وظهرت في المجتمعات المتطورة عشرات المهن الجديدة وملايين الوظائف الجديدة للنساء، أحياناً كان اختراع واحد يسبب تغيراً كبيراً، مثل الآلة الكاتبة التي لعبت دوراً هاماً جداً؛ وأحياناً كان تغير طريقة أداء الأمور هو السبب، مثل ظهور المحلات الكبيرة لبيع المفرق.

لقد ازدادت أعداد النساء العاملات في الطباعة على الآلة الكاتبة والسكرتيرات وعاملات الهاتف والبائعات في المحلات والعاملات في المصانع، فصارت بعضهن قادرات على كسب معيشتهن بأنفسهن، وعلى التمتع بحرية أكبر مما كان متاحاً لهن في العالم الخاضع للذكور منذ عقود قليلة.

وفي عام 1900 كانت المهن الصناعية والتجارية تمنح الملايين من النساء للمرة الأولى فرصة الهروب من طغيان الأبوين الذي كان يستمر حتى سن البلوغ أو من الحياة الكادحة في أعمال البيت إذا تزوجن. وانتشرت هذه الفرص إلى أعداد أكبر فأكبر من النساء في بلاد كثيرة بمرور القرن العشرين وقد قاومها الرجال بالطبع لأنهم شعروا أنه مهنهم وأدوارهم باتت مهددة.

وإن التقنية أيضاً قد قدمت للنساء أشكالاً أخرى من الحرية، فالاختراعات والابتكارات الكثيرة جداً في جميع نواحي الحياة قد خففت من عناء عمل البيت وجعلته أكثر سهولة، وكانت بعض تلك الاختراعات بسيطة مثل مد الماء الجاري إلى البيوت الذي وضع حداً للرحلات الطويلة الشاقة إلى مضخة المياه القريبة، ومد الغاز أيضاً لأغراض الإنارة ثم الطبخ، الذي خفف من وساخة وعناء استخدام مصابيح الزيت المواقد المكشوفة.

أما خارج البيت فقد تحسنت المحلات التجارية وكثرت فيها البضائع المصنعة بالجملة، فتوسعت خيارات ربة المنزل وسهل عليها أن تلبي حاجات عائلتها، إن الأطعمة المستوردة التي أمنتها السفن البخارية والسكك الحديدية فضلاً عن عمليات معالجة الأغذية وتعليبها قد سهلت تأمين الطعام للعائلة وغيرت طبيعته، بعد أن كان معتمداً على الذهاب إلى السوق مرتين في اليوم، كما هي الحال في أنحاء كثيرة من آسيا وأفريقيا حتى الآن.

وأنتجت الصناعة أنواعاً رخيصة من الصابون وصودا الغسيل، كما ظهرت أول الأجهزة المنزلية مثل المكانس الكهربائية وآلات الغسيل للأغنياء والمكواة الأسطوانية اليدوية للفقراء، التي كانت كلها مستخدمة بحلول عام 1914، وكثيراً ما يغفل المؤرخون هذه الابتكارات المتواضعة.

أما آخر قوة بدأت بالتأثير في حياة النساء (والرجال) قبل عام 1914 فكانت منع الحمل، أي التحكم المقصود بعدد الأولاد بوسائل فيزيائية أو كيميائية، وكان هذا الأمر مقتصراً على أكثر الدول تقدماً، وحتى فيها لم يكن الناس يتحدثون عنه بشكل علني.

كانت المجتمعات في الماضي تعتمد على قتل الأطفال أو تأخير الزواج، أما في عام 1914 فكانت وسائل منع الحمل قد بدأت تعطي آثارها المحسوسة في الدول الأكثر تطوراً في أوروبا وأمريكا الشمالية. وفي السنوات الأولى من القرن العشرين كانت هذه النزعة أوضح ما تكون بين الأغنياء والمتعلمين؛ ولكن الفكرة انتشرت بسرعة إلا، حيث واجهت معارضة دينية أو شعبية شديدة. وقد كانت هامة للجنسين معاً ولكنها أثرت خصوصاً في النساء، لأنهن صرن قادرات للمرة الأولى على تخفيف أعباء الحمل وتربية العائلة، وهي الأعباء التي هيمنت على حياة السواد الأعظم منهن طوال تاريخ البشرية.

إن جميع القوى التي كانت تغير حياة المرأة قبل عام 1914، صارت تؤثر بصورة أوسع وأقوى مع مرور القرن العشرين خاصة في الدول الأكثر تطوراً، وإن قدوم حربين كبريين قد كانت له تأثيرات عميقة في جميع الدول، لأنهما ولدتا الشك بتقاليد كثيرة ونبذها، وسببتا تعبئة قسرية من النواحي الاقتصادية والعسكرية وحتى الفكرية، فدفعتا ملايين النساء إلى أدوار جديدة لم تخل من الفائدة لهن. وفي هذه الدول ظهر بأوضح شكل تأثير تطور الاتصالات.

ولايقتصر الأمر على الدعاية لقضية المرأة واستقلالها، بل ولدت أيضاً مفاهيم جديدة عن أساليب جديدة من السلوك بفعل السينما أولاً، ثم التلفزيون الذي دخل البيت نفسه، وكانت الدعاية ذات أهمية كبيرة لأنها أدخلت إلى البيت المعرفة بحقائق جديدة، خاصة في مجال التقنية، كما أنها أدخلت أيضاً قيماً ومواقف جديدة.

العالم غير الغربي

إن من أبرز التطورات انتشار مايمكن أن نسميه إجمالاً النظرة الغربية للمرأة إلى المجتمعات غير الغربية، فمعاملة المرأة تختلف من مجتمع لآخر، وتتمتع النساء الأوروبيات منذ زمن طويل بحياة أقل تقييداً من حياة أخواتهن في آسيا وأفريقيا، وقد اتسعت الهوة كثيراً في الفترة الأخيرة بين معاملة المرأة في الدول ذات الأصول الأوروبية والمجتمعات الأكثر تقليدية، فسبب هذا التباين مطالب التغيير في هذه المجتمعات الأخيرة.

وحتى المجتمعات المتخلفة جداً باتت تجد نفسها مضطرة لتقديم التنازلات فيما يتعلق بحرية المرأة، وإنك تجد ممثليها في الهيئات الدولية والأمم المتحدة يؤيدون بالكلام تحسين وضعها، ولكن من دون أن يتم شيء حقيقي على ارض الواقع.

إن نصف العاملين في الزراعة في العالم هم نساء، ولاتجد هذا الأمر في الدول المتطورة، ومازلت تجد المرأة في الهند وأفريقيا تكدح في أرض العائلة تحت إشراف رجال العائلة، ومازالت تعتمد على الزواج أو الصدقة من أسرتها كضمان وحيد ضد الجوع، ومازالت الرغبة الملحة في إنجاب الأطفال في بعض البلدان حداً قوياً أمام تحررها على الطريقة الغربية.

ولكن الحقيقة أن أكثر المجتمعات تقليدية يمكن أن تتغير، ويبدو أن مثال الحضارة الغربية ذات الأصول الأوروبية سوف يغير من جديد تقاليد بقية أنحاء العالم من خلال نفس العوامل التي أثرت في المجتمعات الغربية، أي الفرص الاقتصادية والتعليمية ومن خلال التقنية ومنع الحمل الذي أصبح بسيطاً جداً بفضل الحبوب، فضلاً عن الحركات والحملات المقصودة التي يقودها دعاة تحرير المرأة.

ولكن الأمر الجديد هو أن هذه القوى سوف تعمل عملها الآن في مجتمعات خالية من الخلفية الثقافية المسيحية التحررية التي كانت موجودة في أوروبا وأمريكا الشمالية، كما أنها سوف تواجه مقاومة قوية بل عنيفة من السلطات التقليدية.







* سروال فضفاض مزموم عند الركبتين


* وهي تعني الغزالة أو العانس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
 
الفصل الثالث عشر - الشوط الطويل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
رسالة مصرية ثقافية :: قسم العلوم التربوية والأدبية :: التاريخ العربي :: كتاب تاريخ العالم-
انتقل الى: