رسالة مصرية ثقافية
مرحبا بك أخي الزائر نشكر زيارتك ونتمني انضمامك للمنتدي
زيارتك تسر إدارة المنتدي ومشاركتكك تسعدنا وتساهم معنا بارتفاع الثقافة العامة
بعض المنتديات الفرعية والموضوعات
لا يمكنك الإطلاع عليها إلا بعد التسجيل كعضو في المنتدي

رسالة مصرية ثقافية

ثقافية - علمية - دينية - تربوية
 
الرئيسيةرسالة مصريةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل    الأربعاء 15 يونيو 2011 - 0:24

نظريات وقيم جديدة

لقد مهدت القرون الممتدة بين عامي 1500 و 1800 الطريق لحدوث تغيرات شاملة وعنيفة ومتسارعة، فكانت بالتالي تمهيداً لظهور العالم الحديث، وتعود تلك التغيرات جزئياً لأفكار أوروبا الحديثة، وكانت تلك الأفكار بالطبع مقتصرة على عدد قليل من الرجال والنساء كانوا رواد الكتابة والأدب والعلم في عصرهم، وربما انحصر تأثيرهم في أيامهم بأعداد قليلة من الناس، بل ربما لم يسمع بهم إلا القليل منهم، لهذا لايجوز أن نعتبر أفكارهم صورة لأفكار الناس عامة.

إننا نعيش اليوم في عصر بلغ فيه العلم مكانة عالية جداً، ونراه يأتي كل يوم بمعجزات جديدة تشهد على قدرته على تغيير العالم، ومع هذا مازال الكثيرون منا يؤمنون بالخرافات، أو يتصرفون وكأنهم يؤمنون بها، فيصالبون أصابعهم مثلاً استجلاباً للحظ السعيد، أو يتجنبون السير تحت السلم بدافع التشاؤم، أو يقرؤون ما يكتبه المنجمون في الصحف من أجل التنبؤ بالمستقبل، أو يختارون يوماً ميموناً لعقد زواج أو للقيام برحلة.

لقد تغيرت أفكار الأوربيين إذاً تغيرات هامة، ثم تبعتها أفكار الشعوب الأخرى من بعدهم، فطرحوا زمرة قديمة من المعتقدات وتبنوا زمرة جديدة منها، ولكن لايجوز أن ننسى أن لهذا التغير حدوداً أيضاً، كما نرى من هذه الخرافات.

في عام 1800 كانت نظرة الأوروبيين المتعلمين إلى الماضي قد تغيرت، وكان من تأثيرات النهضة أنها جعلتهم يهتمون بعقد المقارنات. فبدأ في القرن السابع عشر الجدال حول ما إذا كانت البشرية قد أتت بإنجازات أرقى في الأزمنة القديمة، وبمرور الزمن صار الجدال يدور حول ما إذا كانت حضارات أخرى قد بلغت ذرى أعلى من الحضارة الأوروبية، خاصة الحضارة الصينية.

وفي بداية القرن التاسع عشر بدأ الناس يشعرون أن العصور الوسطى كانت أغنى مما يصفها منتقدوها، وأنها لاتخلو من نواح جديرة بالإعجاب، وكان هذا تطوراً إيجابياً من وجهة نظر المؤرخ، لأن الناس صاروا ينظرون إلى الماضي بعناية أكبر، ولو أنهم مازالوا بعيدين عن رؤية طبيعته الحقيقية.

ثم كان هناك أيضاً تغير آخر جديد يجري في الوقت نفسه وهو من أهم التغيرات التي حدثت في نظر الأوروبيين، فحوى هذا التغير هي انتشار القناعة بينهم بأن البشرية تتقدم إلى الأمام، وأن التاريخ يدل على نمط من التطور المستمر، فصاروا يعتقدون أنهم أكثر تطوراً في الحضارة والذوق والمعرفة والعلم والفن من أي عصر قبلهم، بل صار بعضهم يعتقدون أيضاً أن أحفادهم سوف يكونون بدورهم أكثر منهم تقدماً، أي أن العالم باختصار كان يتحسن بصورة مستمرة.

وكان هذا تحولاً هائلاً بالقياس إلى النظرات التي كانت سائدة في العصور الوسطى، والتي كانت تشدد على أن الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، وأنه مامن سبيل لتغييرها.

تكمن بعض جذور هذه النظرة الجديدة في عملية إحياء الآداب الكلاسيكية التي ابتدأت قبل عام 1400 وبلغت ذروتها في القرن السادس عشر، عندما راح المعجبون بالآداب والفنون الكلاسيكية ينهلون من معين اليونان وروما ويرفعونها إلى أعلى المراتب.

كان هؤلاء يسمون إنسانيين، وقد بدأوا يشددون على قيم مأخوذة من العصور الكلاسيكية القديمة لاعلاقة لها بالمسيحية، بل قد تعارضها أحياناً. ولنأخذ مثالاً بسيطاً على ذلك تشديد المسيحية الكبير على إظهار الوداعة والتواضع، فهي تقول أنه إذا ضربك إنسان على خدك الأيمن فلتدر له خدك الأيسر، أما الإغريق والرومان فلم يكونوا يمتدحون هذا النوع من السلوك.

فكان من تأثيرات إحياء الثقافة الكلاسيكية أنها أوحت لبعض الناس أن المعايير والقيم غير المسيحية قد تقدم لهم أفكاراً جديدة، فساهمت بذلك في عملية الابتعاد عن الماضي، وفي إضعاف الأفكار التي ظلت تضم الثقافة الأوروبية لقرون عديدة، وأدت مثل حركة الإصلاح البروتستانتية إلى حضارة أكثر تنوعاً وأكثر علمانية.

ولكن لايجوز كما قلنا أن نبالغ بتأثير هذه الأفكار في أيامنا، فالإنسانيون الذين أعجبوا بالقيم الوثنية وقدموها على القيم المسيحية كانوا أقلية، بل أقلية صغيرة جداً، ضمن عالم الناس المعلمين، وكانوا هؤلاء بدورهم أقلية صغيرة جداً في أوروبا.

وكان أكثر الإنسانيين يجدون حبهم للثقافة الكلاسيكية منسجماً كل الانسجام مع معتقداتهم المسيحية، وربما كان أشهرهم الهولندي إراسموس من مدينة روتردام، الذي كانت غايته الأساسية في إتقان معارفه هي أن يستخدمها لتقديم نصوص دقيقة من كتاب العهد الجديد وأعمال آباء الكنيسة.

قدوم الطباعة

لقد توفرت للكتاب الإنسانيين والدينيين على السواء منذ القرن الخامس عشر أداة جديدة لنشر أفكارهم، ألا وهي الطباعة. فقد اجتمعت في أوروبا للمرة الأولى الحروف المعدنية المتحركة والأحبار الزيتية والمطابع المحسنة، وكان البطل الحقيقي لهذا الإنجاز الكبير هو الألماني غوتنبرغ، الذي أدت به هذه المغامرة إلى الإفلاس، إلا أن إنجازه كانت له تأثيرات هائلة، فقد مكن مثلاً من انتشار ترجمات إراسموس اليونانية للعهد الجديد إلى أعداد أكبر من الناس، وبسرعة أكبر أيضاً من أعمال الكتاب الذين سبقوه.

لقد قدم إراسموس نصاً أدق من أي نص قبله، وبالتالي أساساً أفضل بكثير لمناقشة المعاني الحقيقية للعهد الجديد، ولم تكن أولى الكتب المطبوعة من الكتب الجديدة أو الجريئة، بل إن أكثر كتاب طبع في الأيام الأولى لهذا الاختراع هو الكتاب المقدس.

وكان الناس يطلبون أيضاً غيره من الأعمال المعروفة لكبار علماء اللاهوت والمحامين، والنصوص المشهورة للكتاب القدامى، ولكن ليس الكتب الحديثة. ومع هذا كانت المطبعة ذات أهمية عظيمة في بث الأفكار الجديدة، خاصة الأفكار العلمية منها، بين الأعداد القليلة من الأفراد المهتمين بها.

لقد ساعدت الطباعة كثيراً على انتشار المعرفة في أوروبا، صحيح أن أكثر الأوروبيين كانوا أميين حتى في عام 1800 إلا أن معرفة القراءة والكتابة كانت أكثر شيوعاً بكثير بين الأغنياء مما كانت عليه قبل ثلاثمائة عام، وحتى غير القادرين على القراءة كانوا يأتون بمن يقرأ لهم الكتب بصوت عال.

كانت تلك الكتب مكتوبة باللغة المحلية، وقد ظل المثقفون يكتبون باللاتينية لزمن طويل، لأنها كانت لغة العلوم في كل مكان، ولكن ظهرت في الوقت نفسه أعداد متزايدة من الكتب المنشورة باللغة الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية وغيرها من اللغات الأوروبية.

وكما ساعد اختراع الكتابة في غابر الزمن في تثبيت اللغة ضمن أنماط معينة، كذلك وحدت الطباعة التهجئة والمفردات على امتداد مناطق واسعة كانت تتميز فيما بينها سابقاً بلهجات وتعابير محلية. واكتسبت هذه التغيرات زخماً كبيراً عندما صارت الطباعة تستخدم لأشياء غير الكتب، فظهرت النشرات والمطبوعات المصورة والرسائل الإخبارية والكراسات، وأخيراً الصحف والمجلات الدورية، كل هذا كان قبل عام 1800.

وكانت أشكالها تختلف كثيراً من مكان لآخر، فالإنكليز نشروا أعداداً غزيرة من الكراسات السياسية في القرن السابع عشر من أشهرهاAreopagitica التي كان يصدرها ملتن، والتي كانت التماساً كبيراً لحرية الصحافة، بينما ظلت أعدادها أقل بكثير في فرنسا طوال مئة عام أخرى تقريباً بسبب الرقابة.

وكانت الصحف تصدر في ألمانيا منذ القرن السابع عشر فما بعد، وبالإجمال صارت المواد المطبوعة في عام 1800 أوفر بكثير مما كانت عليه قبل قرون ثلاثة، ويبدو أن المناقشات العلنية للأفكار والأحداث كانت تجري على وتيرة لاسابق لها، بصرف النظر عن مدة جودة تلك المناقشات.

مع اقتراب القرن الثامن عشر حتى نهايته، تعالت المطالبة بحرية أكبر للطباعة والنشر في بلاد غير إنكلترا والجمهورية الهولندية والمستوطنات الإنكليزية في أمريكا، وقد قال كاتب فرنسي مشهور أنه يدعم بكل قوة حق الناس في أن يعبروا عن آرائهم ولو اختلفت عن أرائه أشد الاختلاف.

وكان هذا الكلام بمثابة المطالبة بوجود قانون يدعم حق الإنسان في طباعة أفكاره ونشرها، وسوف يناضل ذوو الأفكار المتحررة من أجل هذا الهدف في بلاد كثيرة في القرن التاسع عشر، ثم في القرن العشرين من جديد بعد أن حسب بعضهم أنهم قد كسبوا المعركة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل    الأربعاء 15 يونيو 2011 - 0:25

الثورات العلمية

كانت الطباعة قد ساهمت في خلق مجتمع عالمي من الناس المثقفين في عام 1700، وكانت الاكتشافات والملاحظات العلمية تنشر في محاضر الجمعية الملكية في إنكلترا وغيرها من الأكاديميات الملكية في البلدان الأخرى. وهذا واحد من الأسباب التي تسمح لنا بالحديث عن حصول ثورة علمية بعد عام 1500، ولو كان من الأفضل التأكيد على حدوث العديد من التغيرات الكبيرة المتميزة وغير المترابطة.

كانت بعضها قد ابتدأت عن طريق الملاحظة، مثل اكتشاف فناني النهضة لقوانين المنظور، ووصف الأطباء لتشريح جسم الإنسان بالتفصيل، ومحاولات صانعي الخرائط لترتيب وتصنيف المعارف الجغرافية الجديدة التي أتت بفضل رحلات كبار المستكشفين، إلا أن البعض ذهبوا إلى أبعد من هذا.

من أهم الخطوات التي خطاها العلم مبتعداً عن منهج العصور الوسطى تجري الحقائق عن طريق إجراء التجارب بصورة منظمة ومنهجية. وكان من كبار دعاة هذا الأسلوب اللورد بيكن، رئيس مجلس اللوردات في إنكلترا، ولو أن الناس في أيامه لم يعبأوا كثيراً بما كان يقوله.

كان بيكن رجلاً ذا اهتمامات واسعة، ويعتقد بعضهم أنه هو الذي كتب مسرحيات شكسبير، وهذا الحقيقة أمر بعيد الاحتمال ولكنه يدل على مدى سمعته ومكانته. كان واثقاً من أن البحث العلمي قادر على منح الإنسان سيطرة هائلة على الطبيعة إذا تم بصورة منهجية، وكان على حق في هذا. ويروى عنه أنه مات ضحية لمبادئه، إثر إصابته بالرشح في يوم من أيام آذار القارصة البرودة بينما كان يحشو طيراً بالثلج لكي يكتشف تأثير التجمد على اللحم.

لقد قوي الشعور بقدرة التجارب على إعطاء المزيد من النتائج المثمرة مع تحسن أدوات الرصد العلمي، مثل التلسكوب والميكروسكوب (المجهر) وأدوات قياس الزمن الدقيقة، التي افتتحت كلها مجالات جديدة للتحري العلمي.

إن تطور بعض الأدوات قبل بعضها الآخر قد دفع تطور العلم في مناح معينة بالطبع، فالكيمياء مثلاً لم تتطور بقوة حتى وقت متأخر من القرن الثامن عشر، وعلوم البيولوجيا لم تتخذ خطواتها الكبيرة الأولى إلا قرب نهاية القرن السابع عشر، بينما كانت الفيزياء وعلم الفلك والرياضيات قد بلغت مراحل هامة من التطور وإن الإنجازات الكبيرة التي حققتها هذه العلوم الثلاثة قد غيرت نظرة الناس إلى العالم أكثر من أي شيء آخر قبل القرن التاسع عشر.

إن أول اسم يجب أن نتذكره هنا هو اسم الكاهن البولندي نيكولاس كوبرنيكس، الذي أنهى في عام 1534 كتاباً أهداه إلى البابا وقدم فيه وصفاً نظرياً لدوران الكواكب حول الشمس، بما فيها الأرض نفسها. كانت نظريات بطليموس والنظرة السائدة أيضاً تشير إلى أن هذا الكلام هراء، لأن كل إنسان يعلم أن الشمس تشرق كل صباح وتغرب كل مساء، فمن الواضح إذاً أنها هي التي تدور حول الأرض.

والحقيقة أن أحداً لم يأبه في البداية لما قاله كوبرنيكس، إذ لم يكن من الممكن التحقق من صحة هذه الفكرة الأساسية في كتابه، عدا عن أنه كان يحوي أيضاً الكثير من الأفكار الخاطئة، واللافت أن رجال الكنيسة البروتستانت كانوا أسرع من الكاثوليك إلى إدانته، بينما لم يحظر الكاثوليك أفكاره رسمياً، حتى عام 1616، ولكن عندما ظهر التلسكوب في القرن السابع عشر صار بالإمكان التحقق من نظريات كوبرنيكس بصوابها وخطئها.

وقد استخدم التلسكوب لهذه الغاية أستاذ إيطالي في الفيزياء والهندسة العسكرية هو غاليليو غاليلي، ولم يكتف غاليليو بتحري الحقائق بواسطة التلسكوب، بل إنه وضع شرحاً لطريقة عمل هذا الكون، فأتى برياضيات جديدة لوصف حركة الأجسام وعلم السكون والديناميكا (الحركة)، معتمداً على أعمال علماء أكسفورد في القرن الرابع عشر، الذين كانوا قد صاغوا أول قانون مرضي في التسارع.

ونشر غاليليو في عام 1632 كتابه حوار حول النظامين الكبيرين للكون أي نظريات كوبرنيكس وبطليموس فأحدث هذا الكتاب ضجة كبيرة، وقد أدى في النهاية إلى محاكمة غاليليو أمام محكمة التفتيش في روما، حيث تراجع عن أفكاره علناً. وتقول الأسطورة أنه بينما كان يوافق على أن الشمس تدور حول الأرض كان يدمدم ولكنها تتحرك، إلا أن هذا القمع الرسمي لكتابه لم يكن ذا أهمية، لأن آراءه كانت قد انتشرت وصارت معروفة.



غاليليو

ويعتبر كتابه هذا منذ ذلك الحين أول بيان صريح عن ثورة علمية، بصرف النظر عما قاله عندما كان تحت الضغط، لأن أفكار هذا الكتاب كانت نهاية النظرة إلى الكون التي تؤيدها الكنيسة والتي تعود بالأصل إلى أرسطو.

لقد أثارت هذه الأفكار أسئلة واضحة حتى للشخص العادي: فمالذي حل بالسماء؟ وأين مكان الله في هذا المخطط الجديد؟ وفضلاً عن هذا كانت قضية غاليليو بمثابة إعلان عن حقيقة هامة، هي أن السلطة التي كانت تفرض آراءها على غيرها قد هزمتها حجج مبنية على الملاحظة والاستنتاج المنطقي.

لقد قدم غاليليو صورة للكون لم تكن الأرض وبالتالي الإنسان في مركزها، بل كانت مجرد واحد من أجرام مشابهة عديدة، كما أنه أشار إلى إمكانية وصف طريقة عملها من دون تفاسير غيبية أو دينية.

تأثير نيوتن

في نفس العام الذي مات فيه غاليليو أي عام 1642، ولد في لنكولنشر اسحق نيوتن، أعظم علماء القرن، إن أكثر إنجاز اشتهر به نيوتن هو تبيانه أن قوة واحدة هي قوة الجاذبية هي التي تحكم عالم المادة. كانت نظرية الجاذبية هي جوهر كتابه الشهير الأسس الرياضية الذي نشر عام 1687، والذي يقال إن عدد الذين فهموه فهماً تاماً في أيامه كان ثلاثة أو أربعة أشخاص.

لقد ضم هذا الكتاب شرح عالمي السماء والأرض، أي علم الفلك وعلم الفيزياء، ورسم صورة للكون ظلت كافية لأكثر أغراض الإنسان طوال القرنين التاليين، وقد قام نيوتن بأعمال أخرى كثيرة، لأنه كان رجل ذا اهتمامات علمية واسعة جداً ومتنوعة وذا ملكات فكرية بارزة، وكانت عبقريته جلية إلى درجة جعلت أستاذه في كامبردج يتقاعد عن كرسيه عندما كان تلميذه في السابعة والعشرين لكي يناله نيوتن.

ومثلما كان الحال مع غاليليو، غير نيوتن نظرة الإنسان العادي إلى العالم بما قاله وبما أوحت به أقواله أيضاً، وبدأ يلوح للناس أخيراً أن العلم قد يكشف جميع أسرار العالم تقريباً، وبدأت حفنة قليلة من الأفراد الجريئين تقول أنه إذا كان الأمر كذلك فما الحاجة إلى رجال الكنيسة لتفسير الأمور؟ بل ما الحاجة للحديث عن الله كجزء من هذا التفسير، لما كان العلم قادراً على شرحها كلها عن طريق اكتشاف المزيد من القوانين الكبرى الناظمة لها؟ أما نيوتن فهو لم يكن يفكر بهذه الطريقة، إذ أنه كان رجلُ شديد التدين.

لقد كثر الحديث عن أمثال هذه الأفكار في القرن الثامن عشر، بل إن بعض الناس صاروا يقولون أن العالم عبارة عن نظام مكتفي بذاته تماماً ومحتم بصورة آلية، وإنه يكفي أن نفسر ونفهم عالم المادة لكي نحيا حياة سعيدة.

وللمرة الأولى أصبح الإلحاد عقيدة محترمة، ولو في نظر عدد قليل جداً من الناس، ولايجوز أن ننسى أبداً أن هؤلاء كانوا أقلية ضئيلة بين الأوروبيين، الذين كانوا بدورهم أقلية في العالم. كانت الأغلبية الساحقة حتى في ذلك الوقت مازالت تؤمن بوجود عالم مرئي ما وإله ما، وشكل ما من الحياة بعد الموت.

إن جزءً كبيراً من وحشية الحروب الدينية وشراستها في القرنين السادس عشر والسابع عشر، يرجع إلى أن الناس كانوا يؤمنون بأنهم يدافعون عن أمور خطيرة جداً، وأن الله قد ينزل عقابه بالبلد التي تسمح للهراطقة بإعاقة إرادة الله ومشيئته. وكانوا الناس يضايقون السحرة ويطاردونهم لأنهم يعتبرونهم سبب المآسي التي كانت تحل بهم، وقد استمرت هذه النظرة إلى العالم بين عامة الناس.

ولكن الأشخاص المعلمين على الأقل كانوا يدركون أن بعض المفكرين قد قطعوا مسافة طويلة على الطريق التي يشير إليها العلم، لهذا يحق أن نقول إن التطورات العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت ثورة في التفكير، ولم يعد المثقفون بعدها يكتفون بالتحديق في عجائب الطبيعة بذهول ورهبة، ولابفكرة أن الله خلقها لأسباب خاصة به وعصية على فهم البشر، بل راحوا يسعون لإيجاد طرق للتحكم بالطبيعة واستغلالها؛ ولسوف ينتشر هذا الموقف انتشاراً أوسع بكثير خلال القرن التالي.


اسحق نيوتن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل    الأربعاء 15 يونيو 2011 - 0:25

التنوير

بمرور القرن الثامن عشر ازداد استخدام الكتاب الأوروبيين للكلمات التي تعني الأنوار والتنوير، فكان الفرنسيون يستعملون كلمة Lumiéres والألمان Aufklärung والإيطاليون Illuminismo، وقد تحولت هذه التعابير كلها في اللغة الإنكليزية إلى كلمة Enlightenment (التنوير).

وكانت هذه الفكرة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالماضي، خاصة بحركة الإصلاح البروتستانتي التي حطمت المفهوم القديم لعالم مسيحي واحد غير منقسم، وكان بعض المسيحيين يرون أن البشر يستطيعون بجهودهم نصرة قضية الحقيقة والتطور الروحي.

ومن المعالم الأخرى للتنوير إعادة اكتشاف الإنسانيين للماضي الكلاسيكي ومانتج عن ذلك من فورة في الفنون، ثم كانت هناك رحلات الاستكشاف ومابينته من خطأ الأفكار القديمة السائدة ومن الإنجازات الباهرة لبعض الشعوب خارج أوروبا.

لقد راح الكثير من المثقفين في عصر التنوير في القرن الثامن عشر ينبذون بصورة واعية وصريحة قدراً كبيراً من الأفكار التي قبلها أجدادهم، وتم هذا الأمر في عالم تنتشر فيه معرفة القراءة والكتابة وتزداد الأعمال المطبوعة الرخيصة الثمن. وقد حدث واحد من أهم التغيرات الثقافية في التاريخ كله عندما بدأ الناس يقتنعون بأن انتشار المعرفة ليس أمراً ضاراً، وهنا يكمن النجاح الأكبر للتنوير، إذ صار الناس يقبلون عند نهاية القرن الثامن عشر أن المزيد من المعرفة هو أمر مفيد للمجتمع، وكان هذا دليلاً على انتصار مفكري عصر التنوير لأن انتشار المعرفة قد أصبح حينذاك موضع ثقة.

عقائد جديدة

ربما كان التنوير هو المرحلة الحاسمة في بزوغ مفهوم أساسي جديد في الثقافة الأوروبية الحديثة، هو مفهوم التقدم. تعود الجذور البعيدة لهذه الفكرة إلى التقاليد اليهودية المسيحية التي ترى أن للتاريخ اتجاهاً وغاية معينين، ولكنها صارت في القرن الثامن عشر مرتبطة ارتباطاَ وثيقاً بمبدأ قدرة الإنسان على التحكم بالعالم عن طريق إرادته وعقله. ويستدل على هذا التطور من بعض الأمور التي كانت تجري في بعض البلاد الأوروبية.

ولنأخذ مثالاً من الطب، مع أنه كان بدائياً بل دون البدائي، ولم يكن الأطباء بقادرين على فعل شيء تقريباً لشفاء الأمراض، إلا أن الإدارة والسياسة كانتا قد بدأتا بتحسين الصحة العامة ولو بشكل هامشي وفي حالات قليلة ومتفرقة. فكان الحجر الصحي على المهاجرين من منطقة مصابة بالطاعون قد ابتدأ منذ القرن الرابع عشر في إيطاليا، ثم تعمم في القرن الثامن عشر إلى حد إغلاق الحدود بوسائل عسكرية. وكانت أطولها هي حدود الهابسبرغ، التي كانت مزروعة بحراس يبعد الواحد منهم عن الآخر بمقدار المسافة التي تغطيها طلقة بندقياتهم، وممتدة على مدى أكثر من ألف وأربعمائة كيلو متر، وتنتشر على طولها محطات للحجر الصحي تتم فيها عمليات الفحص والتطهير بواسطة الأبخرة.

صحيح أن هذه الترتيبات كانت ضعيفة وأن أوروبا الغربية أصيبت بجائحة جديدة وكبيرة من الطاعون في عام 1720 وهي آخر جائحة هامة إلا أن الأهمية العملية لهذه النجاحات عشية عصر النمو الهائل للمدن الأوروبية كانت أهمية واضحة. وكان من الجلي أيضاً أنها حدثت بفضل حلول إدارية مقصودة لشيء كان يعتبر في السابق عقاباً من الله لامرد له.

ربما كان المصدر الأهم لهذه الثقة الجديدة بطاقة البشر يكمن في العلم، لقد كان الإيمان بسلطة العلم إيماناً دينياً وإيديولوجياً، وكان في البداية محصوراً بأشخاص قلائل، ولكنه صار الآن عقيدة تشترك بها الملايين. ويمكننا هنا أن نضيف أن العلم قد منح الأوروبيين ميزة هائلة في استغلال موارد العالم، فكان بالتالي من أسباب تزاد هيمنتهم على العالم غير الغربي.

لقد كانت العلوم الإسلامية والصينية والرياضيات الهندية في الماضي متطورة جداً، بينما كان العالم المسيحي يجهل العلم جهلاً تاماً ماعدا بعض النبذات القليلة الباقية من العصور القديمة، كما أن الإغريق قد خلفوا أفكاراً كثيرة أتت أكلها في أزمنة لاحقة وسجلوا الكثير من المعلومات القيمة، ولكنهم سجلوا أيضاً الكثير من الأفكار الخاطئة تماماً ولم يتوصلوا إلى الأسلوب التجريبي.

أما العلم كما نعرفه اليوم فإنما من صنع أوروبا الحديثة، ولأسباب تاريخية وثقافية معقدة لم يظهر العلم الحديث إلا بعد أن استردت أوروبا من المصادر الإسلامية والبيزنطية كل ما يلزمها من تراث العالم القديم.

كان العلم يعزز النظرة الإيجابية للعالم، وكان الكثيرون من العلماء يوفقون بين اكتشافاتهم ومعتقداتهم المسيحية بسهولة، لذلك شعر الناس شعوراً أكيداً، ولو أنه مبهم بأن طبيعة الكون هي طبيعة خيرة وبأن الله خالق لايمكن له أن ينوي الشر أو المعاناة لمخلوقاته، بل إن أعمال آلته الرائعة كانت تعتبر دليلاً على بصيرته وبعد نظره في تأمين خير تلك المخلوقات.

وقد بقيت مشكلة الشر قائمة، ولكن لابد أن يكون لها هي أيضاً حل ما، وبدأ البعض يفكرون بأن الأفراد أيضاً يمكن تطويرهم إذا ما تأمن لهم حكم صالح ورشيد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل    الأربعاء 15 يونيو 2011 - 0:26

الثروة والرفاه

بدأ الإنكليز خلال القرن الثامن عشر باستخدام كلمة تحسن أو تطور Improvement في الحديث عن نواح عديدة في المجتمع. وقد استخدمت هذه الكلمة في البداية للحديث عن الزراعة، ولكن سرعان ما صارت لها استخدامات أوسع بكثير، ومن أسباب ذلك أن الناس كانوا يرون علامات تشير إلى أن الحياة في بعض البلاد الأوروبية كانت تتحسن، وأيضاً لأن أفكار التنوير أوحت للناس بأن النواحي الأخرى من الحياة، مثل معاملة الفقراء ومعاقبة المجرمين، سوف تتحسن بدورها.

وكان هذا التحسن يرتكز على حقيقة أساسية كثيراً ما غابت عن أنظار الناس، هي أن ثروة المجتمع كانت تنمو بصورة مديدة ووئيدة، لقد كانت أوروبا في عام 1500 تعج بالتجار، ولكن تجارتهم كانت بالإجمال تجارة محلية، أما في عام 1800 فقد أصبحوا يديرون أشغالاً واسعة تمتد على نطاق العالم بأسره.

التجارة الدولية

كانت أولى المدن التجارية الكبرى في الغرب مدناً إيطالية، فالبندقية وجنوى احتكرتا التجارة في الشرق الأدنى، بينما امتدت تجارة مدن أخرى مثل بيزا وفلورنسا حتى صقلية والأسواق الزراعية الموسمية في شمال أوروبا منذ القرن الثاني عشر، وفي الشمال كانت مدن رابطة الهانزا الألمانية على بحر البلطيق تتاجر في القرون الوسطى مع روسيا واسكندنافيا.

ولكن في القرن السادس عشر تفوقت مدينة أنتورب في بلجيكا على المراكز الأولى من حيث ازدهارها، وكانت أنتورب مركزاً كبيراً للشحن والتصنيع يأتي إليها الصوف من إنكلترا والحبوب والأسماك والخشب من البلطيق لتنقلها إلى الأعداد المتزايدة من السكان في البلاد الواطئة وفلاندر وبيكارديا، وكانت هاتان المنطقتان الأخيرتان مركزين هامين لصناعة النسيج وبحاجة للصوف المستورد.

وعندما تراجعت أنتورب بدورها بسبب المنافسة الأجنبية وحكم إسبانيا حلت محلها أمستردام في الهيمنة على عالم التجارة والمال في القرن السابع عشر، إلى أن جاء أخيراً دور المركز التجاري بلندن بعد عام 1688.

لقد ربطت هذه المدن وغيرها خيوط شبكة تجارية ما برحت تزداد تعقيداً وكثافة، فقبل عام 1500 بزمن طويل كانت البندقية وجنوى ومدن كتلونيا قد ربطت أوروبا عن طريق تجارة البحر والقوافل بآسيا والمحيط الهندي والخليج الفارسي، وأكثرها كانت تمر أولاً عبر القسطنطينية وقد انهار بعض هذه التجارة بعد زوال الإمبراطورية البيزنطية، ولكن سرعان ما راح ساحل شمال أفريقيا يقدم منتجات وحاجات وأسواقاً جديدة.

إلا أن التوسع الأساسي في التجارة بقي لزمن طويل ضمن أوروبا، وبقيت الأسواق الموسمية التقليدية توجه التجارة في طرقها القديمة المألوفة، وكان النقل البحري أرخص من النقل البري، وإن أول من استغله استغلالاً حقيقياً هم الهولنديون، ولهذا الأمر أسباب عديدة، فبلدهم واقعة على البحر، كما أنهم كانوا مضطرين لكسب المال عن طريق التجارة لكي يعيشوا، وكانت لديهم أعداد كبيرة من البحارة الذين تدربوا على صيد السمك في بحر الشمال، وقد اخترعوا مركباً ممتازاً وسريعاً للشحن يتسع لحمولة كبيرة ويمكن لطاقم صغيرة أن يتحكم به.

لقد بلغ ازدهار الهولنديين التجاري ذروته في القرن السابع عشر، وكان مبنياً بالدرجة الأولى على جلب منتجات البلطيق إلى أوروبا الغربية، وعلى بيع سمك الرنكة المملح والمخلل، وهو سمك رائع من جنس السردين مازال واحداً من ألذ ما تنتجه البلاد الواطئة.

كانت التطورات الأولى في أداء الأعمال التجارية محصورة بالتبادل ضمن أوروبا، ومنها المصارف والبورصات، وابتكارات جديدة مثل كتاب الاعتماد والكمبيالة التي مكنت من دفع الأموال من مكان لآخر من دون حمل أكياس من الذهب والفضة.

وبرزت بعض الأسر من مقرضي الأموال الذي تحولوا فيما بعد إلى أول المصرفين الدوليين، لأن الملوك ناسبهم أن يستخدموهم لدفع مصاريف جيوشهم العاملة في الخارج، أو لنقل القروض المجموعة من بلد ما من أجل استخدامها في بلد آخر. إذ كانت الجيوش الإسبانية في القرن السادس عشر تعمل في مناطق واسعة من إيطاليا واللورين والأراضي الواطئة، وكانت بحاجة للمال من أجل دفع رواتب الجنود وتزويدهم بالإمدادات وتأمين حركتهم، فخلق هذا كله مجالاً واسعاً لعمل الممولين والتجار، وكان بحاجة لشبكات معقدة من الوكلاء والمكاتب.

في القرن السادس عشر صعدت إلى خشبة المسرح أمريكا الإسبانية، إذ اكتشف منجم هائل للفضة في بوتوسي بالبيرو، وأتت منه كميات غزيرة من هذا المعدن جعلت من أمريكا المصدر الأساسي للنقود في أوروبا حتى القرن التاسع عشر، وقد نشطت التجارة بسبب ازدياد كمية المال المتداولة.

ولكن حدثت في الوقت نفسه ظاهرة كان الناس قد نسوها منذ القرون الأخيرة للإمبراطورية الرومانية، هي ظاهرة التضخم، التي رأى الناس تفسيراً سهلاً فها في تلك الكميات الكبيرة من الفضة التي وفدت إليهم.

لقد ارتفعت الأسعار في أوروبا حوالي 400 بالمئة خلال القرن السادس عشر، ولكن العلماء حذرون في تعليل هذا الارتفاع، وإذا كان لايصدمنا بالقياس إلى بعض معدلات التضخم الحديثة فقد كان في ذلك الزمان أمراً مؤرقاً.

كانت أسعار الغذاء أكثر الأسعار تأثراً، ويبدو أن الأجور الحقيقية للإنسان العامل العادي قد هبطت، أي أن مستوى المعيشة قد انخفض، وكان لهذا التضخم تأثيرات أخرى هامة أيضاً منها تشجيع التجارة، وقد كان الجو التجاري في القرن السادس عشر جواً نشيطاً ولو أنه عرف أيضاً بعض الأزمنة العصيبة، وكان المستثمرون الحاذقون قادرين على جني مكاسب كبيرة.

تجارة الرق

إن من أكبر الأرباح التي تمت بين عامي 1500 و 1800 الأرباح الناتجة عن بيع الإنسان لأفراد جنسه إلى أناس آخرين، أي تجارة الرق أو النخاسة. لقد كانت العبودية أساس الحياة الاقتصادية في العالم القديم، ورغم أن استرقاق المسيحيين قد زال في أوروبا تقريباً خلال العصور الوسطى فإن العالم الإسلامي كان يرتكز عليه.

إلا أن الأوروبيين عادوا بعد عام 1500 إلى تجارة الرق على نطاق واسع ولكن بشعوب غير مسيحية، وقد بنوا تجارة هائلة عن طريق استغلال مصدر جديد هو الساحل الغربي لأفريقيا. كان البرتغاليون قد بدأوا هذه التجارة الأوروبية الجديدة هناك في القرن السابق، وبنوا حصوناً لاستخدامها كمراكز تجميع للعبيد الذين كان يلمهم الحكام المحليون، فبدأ العبيد يصلون إلى أوروبا بأعداد ضئيلة سوف تتحول فيما بعد إلى فيضان هائل.

ولم يخطط أحد لهذا الأمر، لقد وصل أول عبد أسود إلى أمريكا في عام 1502 عندما سمح لحاكم هاييتي الإسباني بأن يأخذ مع العبيد المولودين في إسبانيا، وبعد سنوات قليلة روعت معاملة الإسبان للهنود الكاهن الإسباني بارتولومه دو لاس كاسس ترويعاً شديداً، فاقترح أن يسمح لكل مستوطن إسباني باستيراد اثني عشر عبداً أسود، إذ كان عدد الإسبان قليلاً وغير كاف لأداء الأعمال واعتقد لاس كاسس أن الأفارقة أقدر على تحمل هذا المجهود الشاق من الهنود.

فسمح بالتالي لأحد محظيي ملك إسبانيا الذي أصبح فيما بعد الإمبراطور شارلكان بأن يستورد 4000 أفريقي في العام إلى جزر الكاريبي ثم بيع هذا الامتياز إلى التجار الجنوبيين، وهكذا أصبحت تجارة العبيد تجارة دولية نتيجة لمحاولة حماية هنود أمريكا.

لقد توسعت تجارة الرق توسعاً هائلاً عندما تبينت إمكانية زراعة قصب السكر في كثير من جزر الكاريبي، وإن أفضل طريقة لزراعته هي على نطاق واسع في مزارع كبيرة تحتاج قدراً هائلاً من المجهود البشري. ولما كانت اليد العاملة اللازمة لاستثمار العالم الجديد غير متوفرة في أوروبا فقد عوضت أفريقيا عن هذا النقص.

ومع ازدياد مكاسب تجارة العبيد هذه راح الآخرون ينضمون إلى البرتغاليين في جمع العبيد على ساحل أفريقيا، وسرعان مابدأ الاقتتال على هذه التجارة، فراح الملاحون الإنكليز البارعون في عهد الملكة إليزابيث يسعون لكسر هذا الاحتكار، أما الإسبان فلم تكن لهم قواعد خاصة بهم في غرب أفريقيا لذلك كانوا مضطرين للاعتماد على الموردين الأجانب.

وسرعان ماتجمعت في العديد من الجزر الكاريبي أعداد كبيرة من العبيد السود، كما استورد البرتغاليون العبيد إلى مستوطنتهم في البرازيل، أما الأراضي الإسبانية على البر الرئيسي فلم تستورد الكثير منهم، لقد باعت سفينة هولندية عبيداً سوداً للمرة الأولى لمستوطنين بريطانيين منذ عام 1619 في فيرجينيا، وهي منطقة يزرع فيه التبغ لذلك كانت تستفيد من عمل العبيد.

ثم بدأت مزارع القطن والأرز في كارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية باستخدام العبيد الأفارقة أيضاً، ومنذ ذلك الحين بنى أمريكيو البر الرئيسي للقارة الشمالية سوقاً للعبيد، وتجارة لتزويدها بهم أيضاً، ظلتا تنموان باطراد حتى أواخر القرن الثامن عشر، كان عدد المحطات التجارية العاملة في النخاسة على الساحل الغربي لأفريقيا حينذاك قد بلغ حوالي أربعين محطة، من هولندية وبريطانية وبرتغالية وفرنسية ودانمركية.

وكانت تلك تجارة هائلة، ولقد بلغ عدد السود المنقولين عبر المحيط الأطلسي 100.000 شخص، في بعض سنوات القرن الثامن عشر، وكانت أعداد الذين غادروا أفريقيا أكبر بكثير من الذين وصلوا إلى الأمريكتين، لأن الأمراض واليأس والوحشية قد تقتل نصف حمولة السفينة قبل أن تصل إلى العالم الجديد، ولو كان من المستحيل أن نعرف أعدادهم بدقة.

التجارة عبر المحيطات

كانت تجارة العبيد إذاً مأساة كئيبة تشمئز لها النفس، ولكنها لم تكن نمطاً واحداً من بين أنماط تجارية جديدة وكثيرة تمتد عبر المحيطات. لقد بني رويداً رويداً نظام تجاري دولي جديد لم يعرف العالم مثل اتساعه من قبل، وقد بلغ زخمه في عام 1700، فاستمر التوسع الإجمالي فيه بسرعة عجيبة، ولو أنه تعرض لنكسات قليلة في بعض الأماكن، وراحت التجارة مع العالم غير الأوروبي تلعب دوراً أكبر فأكبر في صنع ثروة أوروبا.

كانت التجارة عبر المحيط الأطلسي مع مستوطنات الأوروبيين وأراضيهم في أمريكا هي الجزء الأهم في هذه التجارة العالمية، وكانت السفن تنطلق من المرافئ الأوروبية عبر الأطلسي محملة ببضائع تبيعها لشراء العبيد على ساحل أفريقيا، ثم تأخذ السود من هناك إلى جزر الكاريبي، حيث تبيع من نجا منهم أثناء هذه الرحلة، ثم تحمل السكر أو القهوة وتشحنها عائدة إلى أوروبا أو إلى المستوطنات البريطانية في أمريكا الشمالية.

وكانت هذه المستوطنات تصدر بضائع أخرى، مثل شراب الرم وصبغة النيلة والأرز والذرة إلى أوروبا وإلى مستوطنات الكاريبي، وقد حاول الإسبان مثل الإنكليز والفرنسيين أن يستأثروا بتجارتهم مع مستوطناتهم لأنفسهم، ولكنهم لم ينجحوا في هذا، لأن تلك التجارة كانت تدر أرباحاً هائلة لابد من أن تجتذب إليها المهربين والمتطفلين.

كان المنتصرون الأخيرون في هذا الصراع على مكاسب التجارة العالمية هم البريطانيون، ومن أسباب ذلك أن الحكومة في لندن كانت أكثر إخلاصاً وعزماً على دعم مصالح التجار والبحارة الإنكليز والاسكتلنديين أيضاً بعد عام 1707، من ملوك فرنسا في دعم مصالح رعاياهم.

كان البلاط الفرنسي في فرساي دوماً أكثر اهتماماً بأوروبا منه بالبحار وماوراءها، وكان ملوك فرنسا حريصين على الغزو أو الاحتفاظ بأراضيهم في أوروبا، ولم يهتموا كثيراً بصيد السمك في نيوفوندلند أو بيع العبيد إلى جزر الهند الغربية، أو استيراد السكر والقهوة.

أما البريطانيون فكانوا أكثر وعياً لأهمية هذه الأعمال وأرباحها الوافرة، فكان هذا واحداً من العوامل التي جعلت البحرية الملكية تلعب هذا الدور الهام في السياسة العالمية خلال القرن الثامن عشر.

كانت السياسة والتجارة تزدادان تداخلاً بصورة مستمرة، فكانت القوة البحرية ضمانة للوصول إلى مناطق أخرى من العالم وتأسيس المستوطنات فيها، وكانت تستخدم أيضاً لفتح أسواق المستوطنات الإسبانية عنوة، وكان القراصنة قد اقتحموا تلك الأسواق بصورة غير شرعية منذ القرن السابق الذي كان أكبر عصور القرصنة، وكانت قوة البحرية أساسية أيضاً خاصة في زمن الحرب من أجل حماية تجار بلادها.

فكانت تستخدم لدعم الجهود الدبلوماسية عند التفاوض من أجل التوصل إلى شروط أفضل، كما في حالة الرسوم الجمركية التي تفرضها بلد ما على البضائع المستوردة مثلاً، وكان لهذه الأمور وزنها الكبير في بريطانيا أكثر من أي قوة أخرى، لأنها باتت بالتدريج أكثر الدول اعتماداً على التجارة الخارجية في كسب المال، خاصة عن طريق استيراد بضائع المستوطنات ثم بيعها في أوروبا أو في المستوطنات الأخرى.

ولم تكن التجارة مع آسيا هامة جداً من حيث الحجم، أو القيمة ضمن هذه الصورة العالمية، ولكن كان لها سحرها الخاص، كما أنها كانت تؤمن مكاسب كبيرة للعاملين بها، وقد أسس كل من الهولنديين والإنكليز شركة خاصة بهم للهند الشرقية في بداية القرن السابع عشر، وكانت هاتان الشركتان تتمتعان بحقوق احتكارية للمتاجرة في الشرق الأقصى، ثم حذا الفرنسيون حذوهم فيما بعد، وأصبحت هذه الشركات هي الوسائل الأساسية للتنافس على التجارة في آسيا، ولكن نقطة ضعفها كانت أن الآسيويين ليسوا بحاجة لمصنوعات الأوروبيين فيما عدا بعض الابتكارات الميكانيكية القليلة، لهذا لم يكن لها ميزان تجارة الدول الأوروبية لصالحها عادة في تعاملها مع الهند والصين وإندونيسيا، لأنهم لم يقدروا أن يبيعوهم بضائع أوروبية كافية لتسديد ثمن ما كانوا يشترونه منهم، فكانوا مضطرين لدفع هذا الثمن فضة.

ولقد كان هذا مثالاً آخراً على ترابط أطراف العالم فيما بينها من دون تخطيط مسبق، إذ كان الإسبان يجلبون الفضة من العالم الجديد إلى أوروبا حيث تستخدم لتسديد ديون الملكية الإسبانية للمصرفيين، الذين يدفعونها بدورهم للتجار لشراء البضائع من آسيا.

وبذلك كان تمويل التجارة في كانتون بالصين معتمداً على مناجم الفضة في البيرو، وليس هذا بالطبع إلا جزءً صغيراً من القصة، إلا أن الخطوط الأساسية لما كان يجري خلال هذه القرون الثلاثة واضحة، فقد كانت التجارة العالمية في نمو متواصل، وإن أول جزء منها نما بسرعة هو تجارة الأطلسي، التي مابرحت تزداد ارتباطاً بالسياسة وبالقوة البحرية وتخضع خصوصاً لهمينة الأوروبيين.

ولم ترس أي سفينة ينك صينية أو دهو عربية في أي مرفأ أوروبي، أو أمريكي طوال هذه القرون، مع أن آلاف السفن الأوروبية والأمريكية كانت تذهب إلى جزر ملوك في إندونيسيا وإلى الهند والخليج الفارسي والصين.

تنامي المعرفة

لقد ساعدت التجارة على امتداد الاكتشافات وتنامي المعرفة بجغرافية العالم، وفي عام 1700، كانت أشكال القارات كلها قد عرفت ورسمت لها الخرائط، ما عدا أطراف شرق أستراليا وشمال سيبيريا وأقصى شمال أمريكا ومنطقة مضيق بيرنغ. وكانت هناك خرائط للعالم على درجة عالية من الدقة ولوبقيت فيها مناطق شاسعة مجهولة في أفريقيا وأستراليا.

وكان تطور فن الملاحة يسمح بنقل المسافر إلى أي ساحل من سواحل العالم وأي مرفأ من مرافئه خلال ثلاثة أو أربع أشهر إذا هو قبل بأخطار الغرق والعواصف والقرصنة والأمراض. وكان هذا تطوراً كبيراً بالقياس إلى ماكانت عليه الأوضاع قبل حوالي مئتي سنة، كما أنه كان يسير بوتيرة متسارعة لأن المعرفة بالجغرافية والتقنية كانت ذات طبيعة تراكمية، أي أنها كلما خطت خطوة إلى الأمام كلما سهلت عليها الخطوة التالية، مع أن تقنية الإبحار لم تتغير تغيراً كبيراً.

إن الرحلات الكبرى التي رسمت خريطة العالم للمرة الأولى وأتت بالقصص والروايات عن الأراضي المكتشفة حديثاً كانت هي المفتاح لكل ما أتى بعدها.

في عام 1498 أبحر سباستيان كابوت من بريستول في رحلته الثانية ليرسو على ساحل أمريكا الشمال، وفي العام نفسه وصل فاسكو دي غاما إلى الهند، وفي العام التالي 1499 بدأ أمريغو فسبوتشي باستكشاف ساحل أمريكا الجنوبية حتى وصل أخيراً إلى جزر الفوكلاند جنوباً. وفي عام 1508 أبحر ملاح برتغالي ضمن الخليج الفارسي، وفي عام 1513 بدأ الأوروبيون يتطلعون للمرة الأولى نحو المحيط الهادي.

ثم ابتدأت في عام 1519 أعظم رحلات المستكشفين الأوائل عندما انطلق البحارة البرتغالي ماجلان من إشبيلية، ثم دار في العام التالي حول طرف أمريكا الجنوبية عبر المضيق الذي مازال يحمل اسمه ليلج بذلك مجاهل المحيط الهادئ الشاسعة، وقد قتل ماجلان في جزر لادرن في عام 1521، ولكن إحدى سفنه تابعت مسيرتها في جزر الفيليبين وتيمور وعبرت المحيط الهندي، ثم دارت حول أفريقيا لتعود إلى إشبيلية.

وهكذا كان قائدها الإسباني دل كانو أول قبطان يبحر حول العالم، وقد بينت رحلته هذه بصورة عملية أن جميع المحيطات مرتبطة فيما بينها فأثبت بذلك حقيقة كان الناس يعلمون أنها ممكنة نظرياً.

وبعد هذا راحت المعلومات تتراكم عن المحيط الهادي ومنطقته الواسعة، وفي بداية القرن السابع عشر كانت الكثير من جزره حتى جزر نيوهبريد جنوباً قد اكتشفت. وفي عام 1616 بدأ الهولنديون باستكشاف سواحل أستراليا، وفي عام 1642 أبحر منهم الملاح تسمان قرب الجزيرة التي سوف تحمل اسمه فيما بعد (تسمانيا) في طريقه إلى نيوزيلندا، فبين بذلك أن أستراليا ليست جزءً من قارة أنتاركتيكا.

وفي نهاية القرن التالي كانت رحلات بوغانفيل وكوك خصوصاً قد عرفت الناس بجنوب المحيط الهادي وجزر جنوب شرقي آسيا، وكانت العلامة على ذلك هي إلقاء أول شحنة من المحكومين في أستراليا في عام 1788، ووصول المبشرين الأوائل إلى تاهيتي في عام 1797.

أما المياه الشمالية فقد ظلت مجهولة لزمن طويل، في عام 1553 وصلت سفينة إنكليزية إلى الموقع الذي أصبح فيما بعد مرفأ أركانجل الروسي، وعادت حاملة رسالة من القيصر إلى ماري تيودر. ثم قام الإنكليز بسلسلة من الرحلات ابتدأ فروبيشر في عام 1567 باحثين بلا جدوى عن ممر شمالي غربي حول الأمريكتين إلى آسيا.

وفي عام 1594 انطلق البحار الهولندي العظيم بارنتس في الاتجاه المعاكس أي الاتجاه الشمالي الشرقي، مثلما فعل البحارة الإنكليز من قبله. وبينما كان في محاولته الثالثة لإيجاد طريق شرقي عبر القطب الشمالي بعد ثلاث سنوات مات بارنتس في أقاصي مجاهل نوفازمليا، والحقيقة أن أحداً لم يتمكن من العبور بالاتجاه الشمالي الغربي بالسفينة حتى عام 1905، بينما تمت أول رحلة شمالية شرقية كاملة إلى آسيا في عام 1879.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل    الأربعاء 15 يونيو 2011 - 0:26

الإسلام والعالم الغربي

بعد زمن طويل من سقوط القسطنطينية في عام 1453 كان الملايين من الأوروبيين يعيشون تحت حكم الإسلام، وملايين أكثر يعيشون في خطره والمفارقة أنه بينما كانت عملية استعادة إسبانيا قد اكتملت كان الإسلام يعاود تقدمه في الشرق. ولكنه كان الوقت نفسه مقسماً فكانت فارس في بعض الأحيان في حالة حرب مع الأتراك والأباطرة المغول في الهند معاً، كما كانت الدول العربية تنازع الأتراك على السلطة في الغرب. إلا أن مخاوف الأوروبيين كانت مخاوف طبيعية، إذ أنهم كانوا يواجهون الإسلام في أشد أطرافه حدة ومضاء أي في تركيا العثمانية.

لقد انتزع العثمانيون من البندقية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الكثير مما بقي لها من ممتلكات، أي جزر إيونيا عند مدخل بحر الأدرياتيك في عام 1479، وجزر بحر إيجة في خمسينيات وستينيات القرن السادس عشر وقبرص في عام 1571.

كما أن ملكة إسبانيا وجدت نفسها مضطرة لقتالهم قتالاً شديداً من أجل أن تحافظ على اتصالاتها مع إيطاليا، بل إن الأتراك حازوا على مواطئ أقدام لهم في إيطاليا نفسها لزمن قصير، بينما كانوا ينتزعون من الإسبان ممتلكاتهم على ساحل شمال أفريقيا، أي قيرينا وطرابلس وتونس والجزائر، وكانوا أيضاً قد اكتسحوا أيضاً صربيا والبوسنة والهرسك في أوروبا نفسها.

وفي عام 1526 سحقوا الجيش الهنغاري في هزيمة مروعة في معركة حقل موهاكس مازالت ذكراها يوماً اسود في تاريخ هذه الأمة، وبعد ثلاث سنوات حاصروا فيينا للمرة الأولى ولكن بلا جدوى، ثم توقف تقدمهم ليعود فيتابع مسيرته، فاكتسحوا هنغاريا للمرة الثانية، وكانت هذه آخر مرة يطيحون فيها بمملكة مسيحية، وأخذوا بودوليا أي أوكرانيا السفلى من بولندا وكريت من البنادقة. وأخيراً حاصروا فيينا من جديد في عام 1683، فكان ذلك أقصى حد بلغته قوتهم.

ولم تبن الإمبراطورية العثمانية على حساب المسيحيين وحدهم، بل إن الأتراك قد بسطوا على غيرهم من المسلمين أيضاً في شمال أفريقيا، وبحلول عام 1520 كان جزء كبير من الحجاز وسوريا وبلاد الرافدين العليا وكردستان قد صار بيدهم. ثم أضاف إليها السلطان سليمان القانوني الذي لقبه الأوروبيون بالعظيم، فتوحاته في بلاد الرافدين السفلى وجزء كبير من جورجيا وأرمينيا، كما وسع امتداد أراضيه ضمن شبه الجزيرة العربية أيضاً.

وهكذا صارت الإمبراطورية العثمانية في عام 1683 ممتدة من مضيق جبل طارق حتى الخليج الفارسي وبحر قزوين، وسوف تضم فوق هذا المزيد من الأراضي حتى بعد هذا التاريخ.

ولكن هذا التيار قد انعكس الآن فحتى أواخر القرن السابع عشر لم يهدد الأتراك خطر كبير في أوروبا، إلا أن أوروبا الغربية قد سوت الآن نزاعاتها على الأراضي بصورة عامة في معاهدة أوترخت، كما ظهرت ملكيتان شرقيتان جديدتان وكبيرتان هما بروسيا وروسيا، اللتان قلبتا موازين القوى ضد الأتراك قلباً خطيراً، ولو أن سلالة الهابسبرغ ظلت مشغولة بمشاكلها في ألمانيا.

والحقيقة أن سلطة العثمانيين كانت قد بدأت بالانحسار أمام النمساويين والروس، حتى قبل عام 1700 فقد استردت منهم هنغاريا، وسوف تتلوها ضربات أقسى، خاصة في عام 1774 عندما انسحب الأتراك أمام الروس الذين سيطروا على التتار في شبه جزيرة القرم، وقد كان لهذا التنازل أهمية رمزية، إذ كانت هذه أول مرة يتنازل فيها الأتراك عن سلطتهم على شعب مسلم.

وبحلول عام 1800 كان الروس قد احتلوا جزءً كبيراً من الساحل الشمالي للبحر الأسود، وصارت حدودهم ممتدة على طول نهر الدنيستر، بينما كان النمساويون قد تقدموا إلى الدانوب، إلا أن انهيار الأخير لسلطة العثمانيين سوف يستغرق بعد زمناً طويلاً، وسوف يمتد حتى عام 1918 ومازالت مشكلة تقسيم أراضي الإمبراطورية السابقة في الشرق الأوسط بانتظار التسوية، ومازالت الحروب على اقتسام التركة العثمانية جارية حتى يومنا هذا.

تعود بعض أسباب تراجع الإمبراطورية العثمانية هذا إلى ضعفها الداخلي، فبالرغم من امتدادها الهائل على الخريطة كانت سلطة العثمانيين تتفاوت كثيراً من مكان إلى آخر، لقد كانت في حالة من النزاع المستمر على بلاد الرافدين مع فارس، ولم تتمكن قط من السيطرة الحقيقية على بدو بلاد الرافدين وسوريا.

ولم تكن فيها إدارة مركزية جديرة بهذا الاسم، بل كانت الإمبراطورية العثمانية في أكثر المناطق عبارة عن ترتيبات بين الباشا أي عامل السلطان وبين الوجهاء المحليين حول طريقة جبي الضرائب. وقد منح هذا الأمر الباشوات سلطة واسعة، وصار بعضهم مع مرور الزمن أشبه بأمراء يتناقلون السلطة بالوراثة.

ولهذا لم تكن الإمبراطورية قادرة قط على تعبئة مواردها، ولاكان بإمكانها الاعتماد على ولاء رعاياها من أجل التغلب على الانقسامات الكثيرة بين ولاياتها وشعوبها ودياناتها.

كانت الدولة العثمانية قد لملمت كيفما اتفق من أجل محاربة الكفار، وكان تنظيمها بالأساس تنظيماً عسكرياً، الغرض منه تأمين المجندين والضرائب لدفع مرتبات الجنود، وكان هذا الأمر يتم بواسطة ترتيبات شبيهة بالترتيبات الإقطاعية في أوروبا الغربية.

وكان الفساد يدب في هذه البنية في القرن السابع عشر، فكان عمال السلطان يضخمون سجلات الجنود لكي يحصلوا على مرتبات تفوق عدد الرجال الذين يمكنهم تقديمهم، وكانت ولاياتهم يسيئون استخدام سلطتهم في التجنيد وجبي الضرائب، ولم يكن هناك من إدارة مدنية لضبطهم.

أما السلطان فكان مركز المكائد والمؤامرات، وكان المحظيون ونساء الحريم والقادة العسكريون والدينيون يسعون جميعاً للتأثير عليه، وكان على الوزير الأكبر الذي يشغل المنصب الأساسي في الدولة أن يكافح المحاولات الدائمة لتقويض سلطته ومكانته.

كانت خيرة الأفواج العسكرية لدى الأتراك هي الإنكشارية، إلا أنها كانت بحلول عام 1700 قد فسدت فساداً مزرياً وصارت خطراً على السلطان أكثر مما هي دعم له، وكثيراً ماكانت تقوم بالعصيان والإضراب من أجل زيادة رواتبها.

وأخيراً كانت السلطة الحقيقية في كافة أنحاء المجتمع الإسلامي بيد الزعماء الدينيين، أي العلماء الذين تحدد مواقفهم تأييد الشعب للسلطة أو استياءه منها. وقد حصلت حوادث شغب كثيرة في القسطنطينية، منها ثورة عنيفة جداً نشبت في عام 1730 قيل أن البوسفور بقي من بعدها أياماً عديدة مغطى بالجثث العائمة على وجه الماء.

كان التحديث ضئيلاً جداً، ربما كان الإنجاز الوحيد هو ماجرى في البحرية في تسعينيات القرن السابع عشر من استخدام السفن الأوروبية بدلاً من سفن القادس القديمة ذات المجاديف، ولكن الحصول على البحارة المدربين كان أصعب من الحصول على العبيد المجدفين، فاضطر العثمانيون عندئذٍ إلى توظيف الأوروبيين في البحرية والجيش، وكان هذا من علامات انحلالهم في هذه المرحلة.

وكانت سلطة العثمانيين تتقوض ببطء على جبهة أخرى أيضاً فعند بداية القرن السادس عشر قامت سلالة جديدة بتثبيت أقدامها في فارس هي السلالة الصفوية، وكان الصفويون من طائفة الشيعة، وهي شكل من الإسلام يعود إلى القرن السابع ومازال مستمراً منذ ذلك الحين ومعارضاً للإسلام السني.

وقد كانت عقائد الشيعة دوماً أوسع انتشاراً في العراق وفارس منها في سوريا، وكانت لها تفرعات وملل كثيرة، ولكنها جميعاً ترفض سلطة الخلفاء الذين كانوا حكامهم، فعندما تأسست السلالة الصفوية في فارس كان من المحتم أن تتصارع مع جارها الخليفة العثماني، الذي يدعي رئاسة المسلمين السنة.

في عام 1514 تحاربت فارس مع العثمانيين، وكان العثمانيون طوال القرنين التاليين مضطرين إلى القتال على جبهتين، بينما كان الحكام الصفويون خاصة الشاه البارز عباس الكبير، يبنون إمبراطورية فارسية جديدة ذات حضارة رفيعة وثروة وافرة.

إلا أن الدولة الصفوية كانت قاسية وغير متسامحة، وهي أيضاً كانت مضطرة للقتال على جبهتين أحياناً أي ضد الأباطرة المغول في الهند فضلاً عن السلاطنة العثمانيين. وأحياناً كان دعاة التزمت الشيعي القديم يحرزون بعض النجاح في شكاواهم ضد الانحلال الأخلاقي، فقد ابتهج الزعماء الدينيون مثلاً على عهد شاه مغرم بالشراب عند نهاية القرن السابع عشر عندما حطمت في العلن 60.000 زجاجة خمر مأخوذة من أقبية القصر.

ولكن هذا التقشف وهذه الحمية لم يكونا بقادرين على منع تراجع الصفويين، ففي عام 1722 أطاح قائد أفغاني بآخر في فرد من سلالتهم، ثم مرت بعد ذلك بضع سنوات من الاضطراب تلاها في عام 1736 بروز رجل قوي جديد هو نادر شاه، الذي طرد الأفغان واسترد المقاطعات التي استولى عليها العثمانيون والروس، إلا أن هذه النهضة لم تكن في الحقيقة إلا نهضة عابرة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل    الأربعاء 15 يونيو 2011 - 0:27

أوروبا شرقية جديدة

لقد تبدلت خريطة أوروبا الشرقية بين عامي 1600-1800 بصورة كبيرة، وتم بعض هذا التبدل على حساب العثمانيين، وقد كانت إحدى الملكيات الثلاث المستفيدة من هذا قوى عظمى قبل أن تبدأ هذه التبدلات، ألا وهي ملكية هابسبرغ، أما الملكيتان الأخريان، أي روسيا وبروسيا، فلم تبزغا كقوتين عظميين إلا خلال هذين القرنين.

وكان تبدل روسيا هو التبدل الأبرز، إذ أنها وسعت أراضيها بصورة واسعة جداً نحو الغرب والجنوب، وأصبحت قوة عسكرية عظمى ذات أهمية كبيرة في حسابات أوروبا الدبلوماسية، وطورت قوة صناعية بارزة بالنسبة إلى تلك الأيام، كما انقطعت انقطاعاً كاملاً. وكان هذا كله بالأساس نتيجة للأعمال السياسية، وكان الملكية هي مصدره ومحركه.

وهكذا وضعت الملكية نمطاً مازال مستمراً حتى اليوم، هو تحديث روسيا ابتداء من الحكومة نحو الأسفل، أو من المركز نحو المحيط، فكان التحديث يفرض فرضاً بدلاً من أن ينمو بصورة عفوية.

وكان أو من طبع روسيا بطابع التحديث هو بطرس الأكبر، الذي ارتقى العرش في عام 1682 وله من العمر عشر سنوات، ثم راح يستخدم السلطة التقليدية للأوتوقراطية القيصرية بقسوة لكي يجر الروس إلى الحداثة جراً، وكانت الحداثة تعني عنده ثقافة أوروبا الغربية.

كان هدفه الأول هو تقوية روسيا في منافستها الدولية، وبالأخص ضمان ساحلها على بحر البلطيق، صحيح أنه كان مهتماً أيضاً بالتوسع في آسيا الوسطى وسيبيريا، إلا أن حربه الكبرى مع السويد كانت هي قلب سياسته الخارجية، وقد انتهت في عام 1721 بأن ترسخت سلطة روسيا في ليفونيا وإستونيا وبرزخ كاريليا، كما كانت عاصمتها الجديدة على بحر البلطيق في طور البناء. وكان انتقال الحكم من موسكوفيا القديمة المنعزلة إلى حوار الغرب ذا قيمة كبيرة كرمز لطموحات بطرس وتطلعاته.

لقد وجه بطرس طموحاته نحو الجنوب أيضاً، فقد ضم آزوف ذات مرة وكان له أسطول على البحر الأسود. إلا أنه لم يتمكن من الحفاظ على اندفاعه نحو الإمبراطورية العثمانية، بل ترك هذا الأمر لخلفائه، والحقيقة أنهم كانوا في عام 1800 يسيطرون على الساحل الشمالي للبحر الأسود من نهر الدنيستر حتى نهر كوبان.

أما عملية التصنيع التي شجعها فكانت مبنية على استخراج المعادن وتصنيع الخشب، وقد جعلت ميزان التجارة يميل لصالح روسيا، كما جعلت إنتاجها من الحديد الخام أكبر من إنتاج أي بلد آخر في العالم. ولكن هذه الإنجازات تمت من ناحية أخرى عن طريق استخدام مجهود عبيد الأرض وعن طريق تحالف الملكية مع النبلاء بحيث صارت روسيا مقيدة شيئاً فشيئاً بنظام اجتماعي وسياسي أعاقها عن إحراز المزيد من التقدم.

كان أبرز خلفاء بطرس هي كاترينا الكبيرة، ورغم أن البلاط على عهدها قد تمتع ببهاء عظيم فإن حركة التجديد قد ذوت، ورغم قوة روسيا الكبيرة في عصر كانت الأعداد فيه هامة جداً من الناحية العسكرية، فإن الأوتوقراطية وعبودية الأرض ظلت عقبات واضحة أمام التحديث الحقيقي، وقد ظهر منتقدوها الأوائل قبل وفاة كاترينا في عام 1796.



أوروبا الشرقية بالألوان

بروسيا والنمسا

كانت كاترينا الكبيرة موضع إعجاب واسع كحاكمة أوتوقراطية مستنيرة بالنظر إلى رعايتها للأدباء والفلاسفة الغربيين الذين كانوا يعتبرون حاملي ألوية الأفكار التقدمية بل حتى الثورية. وقد قيل الشيء نفسه عن بعض الحكام في دول أخرى، ومنها القوتان الجديدتان في أوروبا الشرقية، أي بروسيا والنمسا، ولكن يبدو في الحالتين أن سياسة الملكية في التغيير كانت بدافع الحاجة لتقوية البلاد من أجل المنافسة الدولية ولم تكن حباً بالأفكار التقدمية.

لقد أصبحت بروسيا مملكة في عام 1701، وكانت حينذاك عبارة عن أرض مشتتة تابعة لأمراء براندنبرغ السابقين، الذين كانوا ينتخبون رأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكانت قصتها في القرن الثامن عشر عبارة عن تمتين هذه الأراضي وتوسيعها بالأساليب الدبلوماسية وبالفتوحات العسكرية، وكانت تؤمن الموارد اللازمة لذلك عن طريق حكم رعاياها واستغلالهم بصورة شديدة على يد طبقة إدارية اشتهرت بفعاليتها العجيبة.

وقد تظاهرت هذه الصفات خصوصاً على عهد فريدريك الكبير، الذي شدد كثيراً على مصالح بروسيا في ألمانيا ضد مصالح النمسا، ثم ابتدأ صراعاً بين سلالته أي الهوهنزولرن وبين سلالة الهابسبرغ كثيراً ما كان صراعاً دامياً، وحسم أخيراً في عام 1866 عندما اعترف الهابسبرغ بهيمنة بروسيا على بقية الدول الألمانية.

إن هذا الصراع مع بروسيا قد حرك في القرن الثامن عشر الجهود الساعية لإصلاح أراضي الهابسبرغ المتداعية والمنتشرة في غير انتظام من أجل تمكينها من مواجهة المنافسة الدولية. وكانت تلك الجهود كافية لتأمين مكاسب كبيرة على حساب الإمبراطورية العثمانية، فقد وصلت حدود الهابسبرغ الجنوبية في عام 1795 حتى نهر سافا، ولكنها بقيت عاجزة عن مواجهة خطر بروسيا، وقدمت لها تنازلات كبيرة من الأراضي في سيليزيا* إلا أن طموحات الهابسبرغ قد أبلت بلاءً حسناً في اتجاه آخر.



النمسا



بروسيا

بولندا

في عام 1795 زالت من خريطة أوروبا دولة بولندا، التي كانت ذات يوم دولة كبرى، لقد ظلت بولندا قوة عسكرية كبيرة حتى القرن السابع عشر، وكانت تحارب الإمبراطورية العثمانية بصورة فعالة حاسمة. إلا أنها أصيبت في القرن الثامن عشر بمشاكل في دستورها وفي أمور الخلافة أضعفت تماسكها إضعافاً شديداً وأعطت الفرصة لتدخل الأجانب في شؤونها وتآمرهم عليها.

وكان هذا من فعل القوى الكبرى الثلاث المتنافسة على الأراضي وعلى الهيمنة في أوروبا الشرقية، أي روسيا وبروسيا ونمسا الهابسبرغ. وقد جرت محاولات لإصلاح الدولة ولكنه لم تأت بنتائج.

وفي عام 1772 حدث توتر خطير بين روسيا والنمسا بسبب نجاح الروس ضد الأتراك، وقد حل التوتر باتفاقية تم فيها تقسيم بولندا للمرة الأولى، فاستولى جيرانها الثلاث على ثلث أراضيها ونصف عدد سكانها، ثم جرت معاهدة ثانية في عام 1793، وكان التقسيم الأخير في عام 1795.

كانت هذه العملية الوحشية ذات نتائج هامة جداً، فقد أصبحت هذه القوى العظمى الثلاث الآن وجهاً لوجه، ولم يعد بالإمكان التعويض لأي منها على حساب طرف رابع، ماعدا تنافس روسيا والنمسا على البلقان التي كانت للعثمانيين. ومن ناحية ثانية صار في تجمع هذه القوى الثلاث فيما بينها مصلحة واحدة، إذ صار في كل منها عدد كبير من البولنديين ذو المشاعر القومية الحادة والتي لابد من ضبطها والسيطرة عليها.





* منطقة في جنوب غربي بولندا

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل    الأربعاء 15 يونيو 2011 - 0:27

أمريكا جديدة

لقد ابتدأت في سبعينيات القرن الثامن عشر تبدلات كبيرة وعميقة في المستوطنات البريطانية في أمريكا الشمالية، كان عدد المستوطنين هناك في عام 1760 حوالي المليونين، وكانت أعدادهم تتزايد بمعدل يضاعف عدد السكان في كل جيل، وكان هناك بالإضافة إلى الإنكليز والإيرلنديين والاسكتلنديين هولنديون وألمان أيضاً. ثم كان هناك الرعايا الهنود للملك والعبيد السود خاصة في المستوطنات الجنوبية والبالغ عددهم حوالي سدس عدد السكان الإجمالي، الذي كان بدوره يساوي حوالي ثلث سكان البلد الأم على أبعد تقدير.

كانت مساحة المستوطنات قد توسعت توسعاً كبيراً منذ عام 1700، وكان المستوطنون ميالين للتقدم من الساحل نحو الداخل إلى أن يبلغوا سلسلة الجبال التي تجري موازية للساحل الشرقي بأكمله تقريباً، وكان هذا التقدم يتم على حساب الهنود. وقد أدى ذلك إلى الاقتتال وسفك الدماء على حدود بعض المستوطنات، خاصة في نيويورك وبنسلفانيا، لأن مستوطنيها كانوا تواقين لعبور وديان الأنهار التي تصل بهم إلى حوض الميسيسيبي الهائل على الطرف الآخر من الجبال، وعندما خسر الفرنسيون كندا في عام 1763 زال الخوف من إعاقتهم لهذا التقدم.

لقد صارت هناك في النهاية ثلاث عشرة مستوطنة، وكان الناس أحياناً يسمون سكانها أمريكيين، أما هم فكان انتماؤهم محلياً، وكانوا يعتبرون أنفسهم أهل نيويورك أو كارولاينا أو نيوانغلند، وكانوا عادة في حالة خلاف فيما بينهم، وقد يتنازعون أو حتى يقتتلون على الحدود بين مستوطناتهم.

وكانت المستوطنات الأكبر واعية للفروق الواسعة بين سكان البراري الغربية من جهة، وبين أهل المدن والمزارعين القاطنين في السهول الساحلية من جهة أخرى، والحقيقة أنه لم يكن هناك ما يجمع شمل الأمريكيين سوى أنهم جميعاً رعايا لتاج إنكلترا.

كان الأمريكيون في عام 1763 يعتبرون أنفسهم رعايا موالين لإنكلترا، وكانوا ممتنين للحماية التي قدمتها لهم ضد الفرنسيين والهنود أثناء الحروب، ولم تكن متطلبات الحكومة في لندن كثيرة إلى حد يسبب مضايقتهم.

إلا أن الأمريكيين كانوا مختلفين عن الإنكليز في موقفهم من السلطة، وكانوا أكثر تساهلاً من البريطانيين في الأمور الاجتماعية، ورغم وجود أغنياء وفقراء في المستوطنات فقد كان عدد حاملي الألقاب فيها قليلاً، ولم يكن فيها التقليد الإنكليزي القائم على احترام الأرستقراطية. كما أن الفروق بين الطوائف الدينية كانت أكثر تقبلاً في المستوطنات منها في الوطن الأم، وكان الكثيرون من مستوطني نيوانغلند الأوائل قد رحلوا إليها أصلاً هرباً من كنيسة إنكلترا، وإن ولاية ماريلاند قد أسست لكي تكون ملاذاً للكاثوليك.

لقد انهارت الإمبراطورية البريطانية في أمريكا بعد عشرين سنة من صلح عام 1763، وكان هذا الانهيار مفاجأة لأكثر الناس، كان من أسبابه الأساسية شعور المستوطنين أنهم لم يعودوا بحاجة لحماية البريطانيين، كما أن البريطانيين منعوا امتداد الاستيطان إلى الغرب من أجل حماية حقوق الهنود من المستوطنين، وقد اشتكى هؤلاء من هذا الأمر. وكانت هذه الحماية بحاجة للجنود وبالتالي للمال، وقد بدا للإنكليز أن من العدل أن يدفع الأمريكيون تكاليفها لأن هؤلاء الجنود سوف يحمون حدود المستوطنين البيض من غارات الهنود.

وراحت الحكومة تلو الأخرى طوال سنوات عديدة، تحاول إيجاد طرق مقبولة وعملية لفرض الضرائب على المستوطنين من أجل هذه الغاية. ولكن أحد ساسة المستوطنات ابتكر عبارة لاضرائب من دون تمثيل، والمقصود بها أن الأمريكيين ليس لهم ممثلون في البرلمان البريطاني بوستمنستر، فلماذا يتوجب عليهم إذاً أن يدفعوا الضرائب التي يفرضها؟ وازداد الاستياء بالتدريج.

كان الناس يشعرون بالرغبة في البقاء رعايا للملك جورج الثالث، ولكنهم كانوا يشعرون أيضاً أن أحوالهم سوف تكون أفضل إذا لم تحكمهم قوانين من وضع البرلمان بل من وضعهم هم أنفسهم، ولكن الحقيقة أنهم كانوا يمارسون الحكم بهذه الصورة عملياً منذ سنوات، عن طريق مجالسهم دون تدخل هام من قبل البرلمان، أما هذه الرغبة بالاستقلال الكامل فلم تنم إلا ببطء شديد.

وقد أطلقت الرصاصات الأولى للثورة الأمريكية في عام 1775 على طابور من الجنود البريطانيين الذاهبين للقبض على أسلحة غير مشروعة في مدينة صغيرة غير بعيدة عن بوسطن، ولكن الكثيرين من الأمريكيين ظلوا حتى في ذلك الحين موالين لبريطانيا.

الثورة

في عام 1776 كان عدد الراغبين بالانفصال عن بريطانيا قد ازداد، وعقد في ذلك العام مؤتمر لممثلي جميع المستوطنات في فيلادلفيا حيث وافقوا على إعلان الاستقلال، الذي يمكن اعتباره آخر افتراق بين الطريقين. وصارت الطريقة الوحيدة التي يستطيع البريطانيون بواسطتها الاحتفاظ بمستوطناتهم هي سحق الثورة عن طريق القوة، ولقد لزمهم سبع سنوات لكي يعترفوا بأنهم ليسوا قادرين على ذلك فوقع الصلح في عام 1783، وسار دعاة الانفصال عن التاج البريطاني ودعاة البقاء معه كل في سبيلهن وحسم الأمر عن طريق الاقتتال والدبلوماسية.

ولم تكن موازين القوى لصالح بريطانيا ولو أن هذا الأمر لم يكن واضحاً في البداية، صحيح أنها كانت تملك جيشاً وبحرية قويين بينما لم يكن لدى الثوار شيء من هذا، وصحيح أن أعداداً كبيرة من الأمريكيتين كانت موالية لهم ، والحقيقة أن الآلاف قد تركوا موطنهم وذهبوا ليعيشوا في كندا عند نهاية الحرب، وأن الوطن الأم كان غنياً بينما كانت مستوطناته فقيرة، ولكن من الناحية الأخرى كانت هناك مسافات هائلة تفصل المستوطنات حيث حدت القتال عن قاعدة الجيش البريطاني في وطنه، وقد أدى هذا إلى مشاكل ضخمة في النقل والتموين.

وكانت الأرض صعبة وخرائطها سيئة، ويصعب العيش فيها على الجنود الأوروبيين المعتادين على الاتصالات والمؤن الحسنة، كما أن البريطانيين لم يكن بإمكانهم خوض حملات وحشية تقضي على الأساس الذي يعتمد عليها جيش الثوار، مثل حرق المزارع وما إلى ذلك، لأنهم لايستطيعون أن يعادوا أصدقاءهم من الأمريكيين.

وأخيراً كان الأجانب متلهفين للاستفادة من متاعب إنكلترا، لهذا وجد البريطانيون أنفسهم عند نهاية الحرب، يقاتلون الفرنسيين والإسبان والهولنديين فضلاُ عن الأمريكيين، وقد قلب هذا الأمر ميزان القوة البحرية ضد البريطانيين في لحظة حاسمة، فأجبر جيشهم على الاستسلام في يوركتاون في عام 1781، وبعد تلك الكارثة أصبح موضوع الاستقلال أمراً حتمياً.

الولايات المتحدة الأمريكية

وهكذا بزغت أمة جديدة وأول بلد متحررة من الاستعمار، ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وقد ظلت الروابط بين ولاياتها الثلاث عشرة فضفاضة حتى بعد أن قبلت الدستور الذي ضمها في جمهورية فيدرالية (اتحادية) في عام 1789.



الولايات المتحدة 1789

ولكن بعض الأمريكيين كانوا يعلمون أن هذه الولايات الجديدة لن يكتب لها البقاء ما لم تكون لها حكومة وطنية، وكان من بين هؤلاء جورج واشنطن، القائد السابق للجيش الأمريكي، والذي أصبح أول رئيس للاتحاد.



جورج واشنطن

كان هذان التغيران الكبيران، أي الانفصال عن بريطانيا وخلق حكومة مركزية ولو ضعيفة، على أهمية عظيمة للبشرية كلها في النهاية، ويمكننا الآن أن نرى أن الثورة الأمريكية كانت الموجة الأولى في تيار من ثورات المستوطنات سوف يمتد طوال خمسين عاماً تقريباً في الأمريكتين، وسوف تمتد تأثيراته زماناً أطول من هذا بعد.

ثم كانت هناك نتيجة أخرى، هي أن الذين استوطنوا أمريكا الشمالية وسيطروا عليها كانوا يتحدثون اللغة الإنكليزية ويشتركون بقسط كبير من الثقافة الإنكليزية، فساروا بالطبع على التقاليد الدينية والقضائية والدستورية الموضوعة في إنكلترا ونشروها في أنحاء القارة كلها، ولو نشر المستوطنون مثلاً الأفكار الفرنسية أو الإسبانية عن الملكية المطلقة لاتخذ تاريخ العالم شكلاً مختلفاً جداً.

والحقيقة أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة قد شددوا على بعض الأفكار الإنكليزية وساروا بها شوطاً أبعد مما حدث في البلد الأم، وقد وصل التسامح الديني في أمريكا إلى حد أن الدستور منع الحكومة من دعم أي ديانة على الإطلاق.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً أول أمة كبرى تصبح جمهورية، لقد كانت النظرة السائدة في القرن الثامن عشر هي أن الجمهوريات كيانات ضعيفة لاتصلح إلا للدول الصغيرة، إلا أن الولايات المتحدة أثبتت خطأ هذه النظرة، فكان هذا إنجازاً كبيراً للبشرية، ولو أنها تدين في نجاحها هذا بالكثير لحظها السعيد وبعدها الكبير عن ثرواتها الطبيعية.

وأخيراً كان هذه الجمهورية الجديدة ديمقراطية أيضاً، ربما لم تكن ديمقراطية كاملة ولكنها كانت على كل حال أكمل الديمقراطيات. تقول الكلمات الأولى في الدستور نحن الشعب وسوف يزداد انتشار الديمقراطية عمقاً واتساعاً في الحياة الأمريكية خلال القرنين التاليين وسوف يترافق هذا بالريبة بالحكومة المركزية، وبالانتشار التدريجي لمساواة أكبر في الحريات السياسية والعملية لجميع الأمريكيين في حياتهم اليومية. ولايصح هذا الأمر على أي دولة كبرى حتى اليوم كما يصح على الولايات المتحدة.

إن هذه الدولة الجديدة لم تغير أوضاع العالم كثيراً في البداية، لأنها كانت بعيدة جداً، لقد ازدادت تجارة البريطانيين مع الأمريكيين عما كانت عليه قبل الحرب، إذ يبدو أن الانفصال السياسي لم يؤثر فيها كثيراً، أما الفرنسيون فلم يستعيدوا مستوطناتهم بالرغم من انتصارهم، وكان قد اضطروا لبذل الكثير من أجل دعم الأمريكيين.

ولكن الحرب غيرت نظرة الحكومات البريطانية إلى مستوطناتها، فصارت ترتاب بها منذ ذلك الحين وقد أمضت الجزء الأكبر من القرن التالي في محاولات لمنحها أكبر قدر من الاستقلال وفي أسرع وقت ممكن لكي لاتشكل عبئاً على دافعي الضرائب البريطانيين ولا تهددهم بكارثة جديدة مثل الكارثة التي حدثت في أمريكا. وأما الأمريكان فقد راحوا يوطدون بلدهم الجديدة ويرسخونها ويوسعون حدودها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل    الأربعاء 15 يونيو 2011 - 0:28

الثورة الفرنسية ونتائجها

منذ أيام لويس الرابع عشر وحتى وقت متقدم من النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت فرنسا مهيمنة في أوروبا، ولكن علامات التوتر كانت بادية عليها بمرور النصف الثاني من القرن الثامن عشر، فقد خسرت كندا ولم تستردها، ولو أن البريطانيين بالمقابل أصيبوا بالذل، كما ارتفعت ديون الملكية الفرنسية ارتفاعاً هائلاً، وراح وزراؤها الواحد تلو الآخر يحاولون إيجاد طريقة لتخفيض ديونها ومنحها ترتيبات مالية جديدة ومعقولة.

ولكن محاولاتهم كلها باءت بالفشل لأنهم عجزوا عن جعل الأغنياء يدفعون حصتهم الواجبة من الضرائب، وقد بين هذا أن الملكية الفرنسية المذهلة كانت ضعيفة من الداخل، فهي لم تكن ناجحة في جبي الموارد مثل نظام البرلمان البريطاني مثلاً. وألقي اللوم في هذا الوضع على كاهل النبلاء الفرنسيين.

ثم أعلن الملك أخيراً في عام 1789 أنه يعتزم استدعاء مجلس الطبقات، وهو مؤسسة من القرون الوسطى كانت أقرب ما عرفته فرنسا على البرلمان، وابتهج الناس لهذا الإعلان أيما ابتهاج لأن الأيام كانت عصيبة، ويبدو أن الجميع كانوا يعتقدون حينذاك أن الحكم في فرنسا سوف يكون حكماً أفضل إذا راعى إرادة الأغلبية.



الثورة الفرنسية الكبرى

عملية التغيير

لقد روعيت إرادة الأغلبية في النهاية فعلاً، ولكن بعد صراعات سياسية طويلة ومريرة، وعندما التأم مجلس الطبقات في أيار/مايو من عام 1789 راحت المظالم والمطالب تتعالى حول أمور كثيرة عدا عن العدالة في فرض الضرائب، وراحت أعداد متزايدة من الناس تتحول إلى السياسة من أجل إصلاح الأحوال وتقويمها.

وابتدأت عندئذٍ سلسلة متواصلة من التبدلات والتحولات الكبيرة، فأطيح بالدستور التاريخي لفرنسا، وتحولت الملكية المطلقة إلى ملكية دستورية أولاً ثم إلى جمهورية، وقطع رأسا الملك والملكة، ومات الآلاف من الناس في الحرب الأهلية، وتخلت الدولة عن ديانتها الكاثوليكية الوطنية القديمة، وبيعت أوقاف الكنيسة لصالح الدولة، عدا عن ألف تغيير وتغيير، وكانت تلك هي الثورة الفرنسية.

لقد تجادل الناس كثيراً حول تاريخ بداية الثورة الفرنسية وتاريخ انتهائها، ولكن يمكننا أن نقول أنها ابتدأت في عام 1789 وانتهت في عام 1799 عندما استولى نابليون بونابرت على السلطة من السياسيين وأعاد فرنسا إلى الطريق نحو الملكية، ولم يعرف الناس قط عقداً مثل ذلك العقد.

إن أكثر التغيرات تمت بحلول عام 1791، وكانت السنوات التالية حتى عام 1795 أكثر سنوات الثورة اضطراباً وهياجاً، ثم استقرت الأمور بعد ذلك إلى حد ما، وكانت فرنسا في ذلك الحين قد انقطعت عن جزء كبير من ماضيها، وأعادت بناء دستورها على أساس المساواة أمام القانون، إذ تم إلغاء طبقة النبلاء والتسامح الديني والحكم عن طريق جمعية وطنية مؤلفة من نواب منتخبين يحق لهم التشريع في أي أمر من الأمور بصرف النظر عن الحقوق والتقاليد.

إلا أن أشياء كثيرة من الماضي قد استمرت، ولاريب أن الحياة في الريف لم تتغير كثيراً، بالنظر إلى التقاليد القديمة المتأصلة، فلم تنتشر مثلاً العملة العشرية الجديدة المكونة من الفرنك والسنتيم والتي مازالت مستخدمة حتى اليوم، أسواق الريف إلا بعد عقود عديدة، وحتى بعد خمسين سنة من عام 1789 ظل بعض الفلاحين يحسبون باستخدام العملة القديمة من كورون وسو، وكانوا يستخدمون المقاييس القديمة بدلاً من المقاييس الحديثة من كيلومتر وهكتار.

ولكن الثورة مع هذا قلبت فرنسا رأساً على عقب، إن الكثيرين من الناس لم ينسوا ما حصل ولم يقبلوا به قط، وقد ظلت الثورة طوال القرن التالية محك الآراء السياسية، فإذا كنت مع الثورة فأنت تريد حق الانتخاب لأعداد أكبر من الناس، وتريد جمهورية، وتريد أن ينخفض نفوذ الكنيسة عما كان عليه قبل عام 1789، وأنت تؤمن بحرية التعبير والكلام وبأن الرقابة على الصحافة عمل فاسد.

أما إذا كنت ضد الثورة، فأنت تتطلع إلى حكومة قوية، وتسعى لإعادة نفوذ الكنيسة إلى حياة البلاد، وتعتقد أن الفساد هو السماح بانتشار الأفكار الضارة، وتعتبر الانضباط والنظام أهم من الحرية الفردية.

وهذا هو بصورة تقريبية الفرق بين اليسار واليمين الذي انتشر في سياسات الكثير من الدول الأوروبية الأخرى خلال القرنين التاليين، وقد اخترعت هاتان الكلمتان وبدئ باستخدامهما في عام 1789، عندما بدأ المحافظون يجلسون معاً عن يمين الرئيس في الجمعية الوطنية بينما بدأ الليبراليون (التحرريون) يجلسون معاً عن يساره.

إن انتشار مثل هذا التقسيم إلى يسار ويمين إلى دول أخرى فيما بعد لدليل على التأثير الهائل للثورة خارج فرنسا، ومنذ البداية كان بعض الثوار قد قالوا أن مايبغون فعله في فرنسا عن طريق الإصلاحات يمكن أن يتم بل يجب أن يتم في البلاد الأخرى أيضاً، وراحوا يدعون بقية الناس إلى اتباع السبيل نفسه.

وعندما وجدت فرنسا الجديدة في حالة حرب كما كانت الحال منذ عام 192 حتى آخر العقد، راحوا يصدرون ثورتهم إلى البلاد الأخرى بالقوة والدعاية، وراح القادة العسكريون الفرنسيون ينظمون الثورات ويؤسسون الجمهوريات الجديدة في الأراضي التي كانوا يغزونها.

وكان هذا من أسباب الحروب الكثيرة التي حدثت بعد عام 1792، لقد بدا أن فرنسا عادت على عهد نابوليون بونابرت الذي توج إمبراطوراً في عام 1804 إلى سيرتها الأولى من الفتوحات كما كان الأمر على عهد لويس الرابع عشر، ولكن هذه الفتوحات صارت الآن تحمل معها رياح الثورة.

كانت بريطانيا عدوة فرنسا الدائمة، فهي لم تعقد الصلح معها بين عامي 1763 و 1814 إلا مرة واحدة ولفترة وجيزة، وقد ربحت لعبة المنافسة الاستعمارية القديمة في النهاية بعد أن انكسرت القوة البحرية الفرنسية في عام 1805 في الانتصار البحري الكبير بمعركة الطرف الأغر. أما القتال على البر كان أمراً مختلفاً، صحيح أن البريطانيين كانت لديهم منذ زمن طويل قوات في إسبانيا، إلا أن الأعداد الهائلة التي هزمت فرنسا أخيراً في عام 1799 ثم في عامي 1812 و 1813 إنما أتت من جماهير فلاحي النمسا وبروسيا وخصوصاً روسيا.

كثيراً ما جلبت الجيوش الفرنسية معها التحرر بالرغم من ضراوة الثورة، وكانت الاحتلال الفرنسي يؤدي عادة إلى إلغاء النظام الإقطاعي وتحطيم الحكومات الطاغية المستبدة ويعزز مساواة البشر أماما القانون.

وهكذا كانت الثورة الفرنسية منذ البداية حتى الآن مثلاً عظيماً ومصدراً كبيراً للإلهام، وسوف ينهض الناس طوال القرن التالي في كافة أنحاء العالم ضد طغاة حقيقيين أو وهميين باسم المبادئ المثالية التي يلخصها أحد شعاراتها: حرية ، مساواة، أخوة. وهذا ما جعل الطغاة يخشونها.

وحتى عندما كان الناس لايتطلعون إلى الثورة للحصول على مطالبهم كانوا يستلهمون المبدأ الذي نادى به الثوار بأن للناس حقوقاً بحكم كونهم بشراً، لا لأنهم ورثوها من نظام أو قانون ما أو لأن لديهم تقاليد تاريخية تساندهم، وكان هذا سبباً آخر جعل الثورة الفرنسية حدثاً كبيراً في تاريخ العالم فضلاً عن أهميته في تاريخ فرنسا.

ولادة السياسة الحديثة

بعد عام 1815 سوف تأخذ السياسة في العالم بالتدريج لغتها ومبادئها من أوروبا، ومن أهم التيارات التي سادت في أوروبا بعد الثورة الفرنسية ازدياد أعداد الناس المشاركين في الحياة العامة، ولو بصورة شكلية جداً. وكانت العلامة الأساسية على هذا التطور في أكثر الدول هي اكتساب أعداد متزايدة من الناس لحقوق سياسية حقيقية وعملية.

وكانت بعض الحقوق من النوع السلبي، مثل حقك بأن لاتمنع الكلام مثلاً من دون قضية قانونية سليمة، وحقك بألا تسجن من دون محاكمة، وكانت هذه الأمر مكفولة تماماً للإنكليز بفضلة الوثيقة القانونية المسماة habeas corpus وهما الكلمتان اللاتينيتان اللتان يبدأ بهما نص الوثيقة، أما بعض الحقوق الأخرى فكانت من النوع الإيجابي، أي أنها تسمح لك بالقيام بشيء ما، وأهمها بلا شك هو حق التصويت الذي يتيح لك أن تشارك في اختيار حكامك.

من بين الدول الكبرى، كانت المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية في عام 1815 هما الدولتان الوحيدتان المتمتعتان بحقوق سياسية جيدة وواسعة الانتشار، ولكن قيوداً هامة ظلت قائمة حتى في هذين البلدين مثل القيود المفروضة على حق التصويت في إنكلترا مثلاً.

إلا أن المطالبة بالحقوق قد تعالت كثيراً في كل مكان عما كانت عليه قبل سنوات قليلة بفضل الثورة الفرنسية، فإذا لم تقم الثورة بالكثير لحماية تلك الحقوق فإنها قامت بالكثير للترويج لها. لقد بينت الحكومات الفرنسية المتعاقبة منذ عام 1789 أنها غير راغبة في منح مواطنيها حقوقاً سياسية، وعندما كانت تغزو البلاد الأخرى كانت تسلك سلوكاً طاغياً ومستبداً.

ولكنها بالرغم من ذلك قد مهدت الطريق كثيراً بأن أزالت الملكيات المطلقة القديمة مع القوانين المرتبطة بها، وكثيراً ما كانت جيوشها تفعل الشيء نفسه في الخارج، فبين عامي 1796 و 1814 صار جزء كبير من إيطاليا وألمانيا والبلاد الواطئة وسويسرا تحت حكم جمهوريات ذوات قوانين مبينة على صورة قوانين فرنسا الثورية.

والأهم من هذا هو إعلان حقوق الإنسان والمواطن العظيم الذي وافقت عليه الجمعية الوطنية في عام 1789 قد افتتح جدالاً انتشر في كافة أنحاء أوروبا، وسوف يتلوه إعلانان آخران خلال السنوات القليلة القادمة.

لقد أطلقت الثورة فكرة خصبة أخرى في مفهوم السيادة الوطنية في أوروبا، كان الثوار الفرنسيون يصرون على أن ممثلي الأمة كيفما تم اختيارهم هم الذين لهم الكلمة الأخيرة في التشريع، أي في وضع القوانين.

وماكانت هذه الفكرة لتسبب اضطراباً كبيراً في المملكة المتحدة في عام 1801، إذ كان فيها برلمان بعض أفراده بالوراثة، وبعضهم منتخبون من ضمن حلقة ضيقة، وكان يتمتع سلطات واسعة جداً؛ ولكنها كانت فكرة مؤرقة في البلاد الأخرى التي كان الناس فيها يعتبرون أنه لايجوز لأي كان ولا حتى للبرلمان أن يتدخل في المؤسسات والتقاليد القديمة.

وكانت تلك فكرة ثورية بالأخص في روسيا، حيث كان القيصر يدعي أن لسلالته حقاً من الله بأن تحكم بالشكل الذي تراه أصلح لروسيا، وسوف يظل آخر سليل له يسلك هذا المسلك حتى القرن العشرين، كما أنها كانت فكرة ثورية لدى الشعوب الخاضعة لحكم الأجانب كالبولنديين مثلاً.

وأخيراً فإن الثورة قد شككت بمكان الدين في الحياة السياسية، كان بعض مفكري التنوير قد شجبوا تأثيرات العقيدة الدينية على القانون والحكم، وفي النهاية صار بعض الثوار الفرنسيين يعتبرون الكنيسة عدوة للدولة، ولم يكونوا يقبلون ادعاء الكنيسة بأنها تحتكم إلى سلطة أعلى من سلطة الأمة نفسها، وقد أصبحت العلاقات بين الكنيسة والدولة بعد ذلك موضوعاً هاماً في جميع البلاد التي تحوي عدداً كبيراً من الكاثوليك.

عدا عن طرحهم للمواضيع الجديدة غير الثوار الفرنسيون أيضاً أساليب الكلام والتفكير في السياسة، فقد جعلوا محك الآراء السياسية هو درجة تأييد المرء للثورة أو مناوئته لها، فنشروا بذلك مفهوماً جديداً هو أن كل إنسان يمكن تحديد مكانه على طيف يمتد من أقصى الديمقراطية الجمهورية حتى أقصى التأييد المطلق، واعتبروا أن موقف الإنسان من الثورة أو النظام القديم بالإجمال يحدد موقفه من مصادرة أوقاف الكنيسة، أو حتى إيمانه بالتطور نفسه، وكان هذا التقسيم الثنائي البسيط للسياسة إلى يمين ويسار مناسباً لجزء كبير من أوروبا خلال القرن التالي ولكنه لم يكن مناسباً للسياسة في بريطانيا وأمريكا، بل إنه في الحقيقة لم يناسب هذين البلدين قط منذ مرحلة الثورة الفرنسية.

عودة الملكية بعد عام 1815

لقد أعادت الهزيمة النهائية لفرنسا في عام 1815 الشيء الكثير من البنية القديمة، وغابت الحياة السياسية الحقيقية عن أوروبا ماعدا البلاد الواقعة إلى الغرب من الراين وفي بعض الدول الألمانية والإيطالية الصغيرة.

فقد حدث بعض التقدم هناك نحو اكتساب حكومات دستورية، أي أن تتم إدارة الشؤون العامة ضمن حدود قوانين دستورية تمنع الاستخدام التعسفي للسلطة، وكثيراً ماكانت هناك أيضاً درجة ما من الحكم التمثيلي، وقد تمت بعض التغيرات بمساعدة الثورة، كما في إسبانيا وأجزاء من إيطاليا وفرنسا مثلاً، بينما تمت في بعضها الآخر بصورة سلمية كما في بريطانيا، حيث كانت توجد بالأصل حكومة دستورية فأصبح لها الآن قاعدة أوسع عن طريق توسيع جمهور الناخبين في عام 1833 ورفع القيود الباقية على بعض الطوائف الدينية، وكنت تجد في هذه الدول جميعاً شعوراً متزايداً بأن على الحكومة أن تسير مع الرأي العام.

أما في ألمانيا وإمبراطورية الهابسبرغ وبعض الدول الإيطالية أيضاً فلم يحدث شيء من هذا ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، منه الرغبة الشخصية لحكام هذه الدول، ومنها سيطرة الحلف المقدس المكون من بروسيا والنمسا وروسيا على هذه المنطقة عام 1815، وثلاثتها تخشى عودة الثورة، لذلك كانت السيطرة على الحريات السياسية فيها أشد بكثير، وكانت الحكومات الدستورية نادرة، وحتى الحريات الأساسية مثل حرية التعبير والحركة والنشاط السياسي كانت قليلة جداً.

لم تحرز الحركة الجمهورية تقدماً في أي مكان قبل عام 1848، ولم تكن أي من الدول الأوروبية الكبرى جمهورية في بداية ذلك العام، وقد ظلت الطبقات الحاكمة القديمة تدير البلاد كما في السابق، أي بزعامة الأسر الأرستقراطية الكبرى التي طالما هيمنت على أوروبا، ولكنها كانت أحياناً خاصة في بريطانيا، تقدم بعض التنازلات عن طريق السماح لأفراد من طبقة النبلاء والطبقات الوسطى بمشاركتها في السلطة.

وكانت منظمات الطبقة العاملة قد ظهرت أيضاً، ولكن إذا كانت لها فعالية فإنها كانت مقتصرة على كسب تنازلات محددة لأفرادها، ولم تكن بقادرة على تبديل الترتيبات السياسية القائمة، ويبدو أن الخطر الأكبر على النظام القائم في ثلاثينيات أو أربعينيات القرن التاسع عشر كان متمثلاً بالحركة الوثيقية في إنكلترا التي سميت بهذا الاسم لأنها لخصت أهدافها في وثيقة الشعب التي أعدت لكي تقدم إلى البرلمان، وقد تحولت جميع أهدافها السياسية في النهاية إلى قوانين ماعدا واحداً منها، ولكن بعد أن ذوت الحركة نفسها بزمن طويل.

ولم يكن هناك في عام 1848 أي بلد يحق فيه لأغلبية السكان قانونياً أن يشتركوا بالسياسة، حتى الولايات المتحدة لم تكن تمنح حق التصويت إلى للذكور البالغين الأحرار، أما في المملكة المتحدة، فكان هناك أكثر من 400.000 ناخب، وكان هذا العدد أكبر من عدد الناخبين الموسع في فرنسا بعد الثورة التي جرت فيها في عام 1830 والتي وضعت نظاماً أكثر تحرراً. وسوف يزداد عدد الناخبين البريطانيين أيضاً بمقدار 50% تقريباً بعد قانون الإصلاح الكبير في عام 1832.

ولكن بالرغم من جميع التحفظات، يصح أن نقول بصورة عامة إن تقدماً حقيقياً قد تم في أوروبا نحو حكومات أكثر تحرراً ودستورية بعد الإطاحة النهائية بنابليون في عام 1815، ولو أن هذا التقدم كان مقتصراً على بلاد قليلة وأنه قد حصل أحياناً بصورة متقطعة وترافق بالثورات والمؤامرات.

ثم جاء عام 1848 وجاءت معه موجة عارمة من الثورات التي اكتسحت أنحاء القارة الأوروبية كلها، فابتهج لها دعاة التقدم في كل مكان ابتهاجاً عظيماً وبلغت آمالهم ذروة لم تبلغها من قبل قط، ولم تسلم حكومة من تأثيرات تلك الثورات من جبال البيريه إلى بحر البلطيق.

1848

مازال الجدل دائراً حول أسباب هذه الموجة من الثورات، إلا أن هناك بعض الحقائق الواضحة. لقد كانت أربعينيات القرن التاسع عشر بالإجمال سنوات سيئة في اقتصاد أوروبا، فقد حصل كساد في الأشغال ترك الكثيرين من أهل المدن بلا عمل، وأدى فساد المحاصيل وسوء الطقس في بعض الدول إلى حالة قريبة من المجاعة منذ عام 1846 فما بعد وما إن ابتدأت الثورات في عام 1848 حتى كل نجاح تحرزه الواحدة منها يمهد الطريق للثورة التالية، وكأن الأمر أشبه بالتفاعل التسلسلي في الانفجارات الذرية.

لقد حدثت أولى ثورات ذلك العام في صقلية بسبب تشكي السكان من حكم نابولي لجزيرتهم، وسرعان ما ترددت أصداؤها بصورة واسعة خارج إيطاليا. إلا أن الثورة الهامة التي أتت في الشهر التالي، أي في شهر شباط/فبراير في مدينة باريس.

لقد رأينا كيف جرت ثورة عام 1789 في فرنسا القارة كلها إلى الحرب، كما أن ثورة تموز/يوليو من عام 1830 قد سببت ثورات غيرها في دول أخرى، فمن الصحيح إذاً كما قال أحدهم أنه عندما تعطس باريس تصاب أوروبا بالرشح.

وهكذا كانت الثورة الفرنسية صدمة للناس وإلهاماً لهم في كافة الأراضي الواقعة إلى الشرق من نهر الراين والجنوب في جبال الألب، فامتدت الثورات في أنحاء ألمانيا وسقطت الوزارات والدساتير، وقد حدثت الانقلابات الكبرى في آذار/مارس عندما هزت الثورات كلا من فيينا وبرلين، وهما عاصمتا أكبر دول ألمانيا.

فدفعت الثورة الأولى بالكونت مترنيخ مستشار الهابسبرغ إلى المنفى، بعد أن كان يعتبر الدعامة الأساسية للنظام المحافظ المتمثل بالحلف المقدس.وسرعان ما حدثت ثورات أخرى في أجزاء أخرى من إمبراطورية الهابسبرغ في إيطاليا وهنغاريا وكرواتيا وبوهيميا، والأفظع من هذا هو حصول ثورة شعبية كبرى ثانية في باريس في حزيران/يونيو سحقت بوحشية كبيرة خلال أسبوع واحد من الاقتتال في الشوارع، لا على يد ملك بل على يد الجمهورية الفرنسية الجديدة.

وقد كانت تلك بداية انقلاب التيار، وعند نهاية عام 1849 كان يبدو أن الثورات لم تحرز شيئاً هاماً إلى في فرنسا حيث استمرت الجمهورية الجديدة، وفي بعض الدول الإيطالية التي احتفظت بالدساتير التي منحها لها حكامها خلال تلك الاضطرابات بينما عادة القوى المحافظة لتستعيد سيطرتها شيئاً فشيئاً، وقد تم تركيع الثوار حتى في إمبراطورية الهايسبرع بمساعدة الجيش الروسي، إذ أن روسيا قد سلمت من أي اضطراب خلال عام الثورات هذا كما عاد البابا إلى روما.

نتائج 1848 -1849

ولكن نتائج هذه الأحداث لم تقتصر على انتصار الرجعية المذكور، يمكننا أن نقول بصورة إجمالية إن مطالب الثورات المختلفة التي حدثت في عام 1848 كانت على ثلاثة أنواع، لقد ثار الفلاحون في أوروبا الشرقية للمطالبة بإلغاء أشغال السخرة والحقوق الإقطاعية التي كانت بيد أصحاب الأراضي، أي أنهم كانوا يسعون للحصول على ماحصل عليه الفرنسيون في عام 1789 وماجلبوه إلى بعض أنحاء ألمانيا عقب الثورة الفرنسية. وقد جلب عام 1848 إلى إمبراطورية الهابسبرغ وألمانيا وجزء كبير من بولندا نهاية الإقطاعية وعبودية الأرض، وكان هذا تقدماً عظيماً، وهكذا لم يعد للعبودية وجود فيما كان الأوروبيون المتعلمون يعتبرونه العالم المتحضر إلا في روسيا والأمريكتين.

أما النوع الثاني من المطالب التي قدمت عام 1848 فكانت بالإجمال مطالب المتحررين والمفكرين وأصحاب المهن العلمية من أبناء الطبقة الوسطى، والراغبين بحكومات أكثر دستورية وتمثيلية وبعدد أكبر من الوظائف في المناصب العامة على حساب الأرستقراطيات القديمة. ولهذا الأمر أسباب معقدة ومختلفة من مكان لآخر، منها أنها عندما ابتدأت الثورة حقاً راحت تهدد أسس المجتمع والأملاك مثل الثورة الاشتراكية التي حدثت في أيام حزيران في باريس، شعر الثوار أنهم قد تجاوزوا الحد، فتحالفوا مع سلطات النظام القديم، أي مع الملوك والأمراء الذين استردوا جرأتهم وراحوا يستخدمون جيوشهم لإعادة تثبيت سلطتهم. إلا أن بعض التحسينات الدستورية استمرت في ألمانيا بعد عام 1848، ولم تعد الأمور إلى القمع الشديد الذي كان على عهد مترنيخ.

من الأسباب الأخرى لفشل الثوريين أنهم كانوا منقسمين حول موضوع آخر، هو المطلب الثالث لعام 1848، لقد سمي ذلك العام ربيع الأمم لأن الكثير من الثورات كانت تسعى باسم الشعوب لأن تحكم أنفسها بدلاً من أن يحكمها الآخرون، ويصح هذا الأمر بالأخص على الهنغاريين والإيطاليين الذين كانوا يناضلون لكسر نير حكم النمسا.

والمؤسف أن الكثير من الوطنيين الذين حاربوا من أجل شعوبهم في عام 1848، كانوا لهذا السبب بالذات مستعدين لمحاربة شعوب أخرى عندما يشعرون أنها قد تشكل خطراً عليهم، وقد استمر بعض أحفادهم على هذا المنوال، منذ ذلك الحين حتى اليوم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 43

مُساهمةموضوع: رد: الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل    الأربعاء 15 يونيو 2011 - 0:29

الأمم ودعاة القومية

منذ القرن التاسع عشر تعامل فكرة الأمة والقومية بقدر كبير من التبجيل والتوقير، ولم تكن هذه بالفكرة الجديدة، فأنت تجد في مسرحيات شكسبير إشارات كثيرة إلى شعور الإنكليز بقوميتهم وافتخارهم بها، كما تجد علامات كثيرة على أن الناس منذ زمن بعيد كانوا يحبون أن يعتبروا أنفسهم فرنسيين أو إسباناً.

ولكن هذه المشاعر صارت أكثر اتساعاً بكثير خلال القرنين الماضيين، والأهم من ذلك أن الناس بدؤوا يشعرون أن انتماءهم إلى قومية معينة يقتضي أن يحكمهم أشخاص من هذه الأمة نفسها، أي أن الدولة والأمة يجب أن تكونا شيئاً واحداً، أو وجهين مختلفين لعملة واحدة.

وهذه هي الفكرة السياسية التي تسمى القومية، وهي تقول أن الأمة هي الأساس الشرعي الوحيد لقيام الحكم، وقد سببت هذه الفكرة قدراً كبيراً من المعاناة والعنف، مثل أكثر المفاهيم العامة حول كيفية تنظيم الحكومات. فما الذي يبرر أن تكون حكومة ظالمة أو فاسدة من أهل أمتك أفضل أخلاقياً من حكومة أجنبية عادلة وخيرة؟ إلا أن نجاحات فكرة القومية وتأثيراتها الثورية كانت ومازالت أكبر من أي فكرة سياسية أخرى، وقد بدلت خلال القرنين الماضيين خريطة العالم وحياة مئات الملايين من الناس.

ونعود إلى الثورة الفرنسية من جديد لأنها كانت معلماً هاماً في تطور هذه الفكرة، لقد كان الثوار الفرنسيون يضربون دائماً على وتر القومية وحقوق القومية، وكانت الأمة في نظرهم ذات سيادة مطلقة لاتعلو عليها أي سيادة. ولم يتراجع أي نظام فرنسي فيما بعد عن هذا المبدأ، بل كان دعاة الثورة يبشرون به للمتعاطفين معهم في البلاد الأخرى.

ومن ناحية أخرى أدت الثورة الفرنسية إلى حوالي ربع قرن من الحروب شبه المستمرة، فنتجت عن ذلك انقلابات كبيرة وتبدلات في الحدود وإطاحة بالقادة القدماء وتنصيب لقادة جدد واجتثاث المؤسسات القديمة، فكانت هذه كلها فرصاً كبيرة جعلت الناس يفكرون بوضع ترتيبات جديدة على أساس مبدأ القومية.

وهكذا فإن البولنديين مثلاً، بعد أن زالت دولتهم المستقلة في تقسيمات القرن الثامن عشر، بدؤوا يأملون في أن يعيد لهم نابليون حريتهم، ولكنه لم يعدها لهم، ولو أنه أسس صورة هزيلة عن الدولة البولندية القديمة سماها غرندوقية وارسو، إلا أن استحواذ هذا الأمل عليهم كان ذا أهمية كبيرة في إبقاء الشعور القومي البولندي حياً ومتقداً.

وفي إيطاليا راحت الجيوش الفرنسية منذ عام 1796 فما بعد تقلب الحكومات الواحدة تلو الأخرى، فكان البعض يرونهم مخلصين محررين والبعض الآخر يرونهم في أحيان أخرى مضطهدين ظالمين، إلا أن بعض أهل شبه الجزيرة بدؤوا يعتبرون أنفسهم للمرة الأولى إيطاليين، بدلاً من شعورهم السابق بأنهم أبناء روما أو ميلانو أو البندقية أو غيرها، وهكذا راحوا يسعون لإيجاد طرق لتوحيد فسيفساء الدول الإيطالية القديمة تحت حكومة وطنية، كما حدثت تطورات مشابهة في بلاد أخرى أيضاً.

لقد أرقت هذه التطورات حكام أوروبا كثيراً بعد زوال نابوليون من مسرح الأحداث بنفيه وموته وحيداً في جزيرة سانت هيلينا، ولم تعد للظهور جميع الحكومات التي أطيح بها خلال العشرين سنة الماضية. فجمهورية البندقية القديمة، التي كانت على أهمية كبيرة في تاريخ أوروبا طوال مئات السنين استمرت حتى عام 1796 ولم تعد للحياة في عام 1815، بل انتقلت أراضيها السابقة عندئذٍ إلى حكم النمسا. وكذلك زال عدد من الأمراء الحاكمين في ألمانيا وانتقلت أراضيهم إلى أيدي أمراء آخرين أكبر منهم وأوفر حظاً.

إلا أن معظم الملوك قد عادوا، وقد أظهر بعضهم بوضوح بأنهم راغبون بإرجاع الساعة إلى الوراء وإعادة الأمور إلى سابق عهدها، بينما كان بعضهم الآخر أكثر حكمة فقدموا التنازلات للأفكار الجديدة، مثل ملك فرنسا من سلالة بوربون الذي لم يحاول العودة إلى النظام القديم بل قبل بالدستور.

وقد حاول مؤتمر فيينا الذي انعقد للاتفاق على شروط الصلح في عام 1815، أن يخفف من خطر الثورة، فأعطى أجزاء من الدول التي كانت مستقلة في إيطاليا للنمساويين، وكان يفترض بحكام الهابسبرغ أن يضبطوا الأمن في شبه الجزيرة الإيطالية ويحافظوا على الهدوء فيها. وكان هذا تعارضاً صارخاً مع المبدأ القومي لأنه إذا كان من الواجب أن تحكم الأمة نفسها بنفسها، فليس هناك من مبرر لأن يحكم النمساويون الإيطاليين أو البولنديين أو الهنغاريين أو البوهيميين أو السلوفاك أو الروثينيين* أو غيرهم من الشعوب الكثيرة التي كانت خاضعة لفيينا. وليس هناك مبرر لأن يحكم الروس البولنديين والدنمركيين أيضاً.

أي أن مفهوم القومية كان خطيراً بشكل خاص على الدول الثلاث في أوروبا الشرقية التي كانت أساس النظام المحافظ بعد عام 1815، أما فرنسا فلم تكن فيها مشكلة قومية، وكانت إنكلترا تدعي منذ زمن طويل أن ليس فيها شيء من هذا أيضاً، مع أن ايرلندا كانت في الحقيقة قضية قومية.

لقد اعتنت الدول الأوروبية عناية كبيرة بأمور الأمن والتعاون الدبلوماسي فيما بينها، وكانت مستعدة للضرب بلا رحمة إذا اقتضى الأمر، فساهمت هذه الأمور في الحفاظ على السلام في أوروبا بين عامي 1815 و 1848، وكانت تلك أطول مرحلة خالية من الحروب بين القوى العظمى عرفتها القارة منذ قرون عديدة ولم تنجح الحركة القومية في هذه المرحلة إلا مرتين أولاً في عشرينيات القرن التاسع عشر عندما أدت الثورة في الشطر الأوروبي من الإمبراطورية العثمانية إلى ظهور دولة اليونان المستقلة، ثم في عام 1830 عندما أطاح البلجيكيون بحكم الهولنديين الذي كان مفروضاً عليهم منذ عام 1815.

ثم أتت ثورات عام 1848، وكانت القومية فيها متداخلة تداخلاً عميقاً بقضايا أخرى، ففي إيطاليا كان الراغبون بحكومة دستورية يعلمون أنهم لن يحصلوا عليها إلا إذا توقف النمساويون عن التدخل في شؤونهم، وأنهم لن يتوقفوا عن ذلك إلا عن طريق القوة. لهذا كان الليبراليون في مدن إيطاليا المختلفة ينضمون بعضهم إلى بعض في محاولاتهم لتنظيم المقاومة الوطنية سواء تعاطفوا مع الراديكاليين أم لم يتعاطفوا. وكان هذا تأكيداً على أفكار من يعتبرون أن الهدف من الثورة هو صنع أمة ولا يعبأون لا بالليبرالية ولا بالدستورية، مثل المتآمر الحماس ماتزيني.

أما الألمان فيبدو أنهم كانوا أكثر من الإيطاليين حماسة لوحدة تجمعهم وتسمو على التقسيمات السياسية التي مازالت تفرق بينهم تحت حكومات مختلفة. ولكن قضية الوحدة الألمانية جعلت الليبراليين الألمان بالضرورة معارضين لمطالب الوطنيين والتشيك والبولنديين القاطنين ضمن الأراضي الخاضعة لحكم الألمان، وإن الخوف من الحكم الذاتي في بوهيميا وبوزنان* قد دفع الليبراليين الألمان في النهاية للاعتماد على جيوش الملوك خاصة ملوك بروسيا، ولما كان الملوك يكرهون الدساتير والمبادئ التحررية فقد أدى هذا في النهاية إلى التضحية بالليبرالية من أجل القومية.

كانت أكثر الملكيات عرضة للخطر في عام 1848 هي بلا ريب ملكية النمسا، لأنها كانت حكم أكبر خليط متشابك من الشعوب في أوروبا، وكان الإمبراطور الشاب فرانتز جوزف قد ارتقى العرش في ذلك العام ولكن الثوار مالبثوا أن انتزعوا منه عاصمته فيينا، عدا عن أنه واجه الثورات المسلحة في هنغاريا وبوهيميا وسلوفاكيا وطردت جيوشه طرداً كاملاً تقريباً من إيطاليا، وقد بدا أن لامفر للملكية القديمة من الانهيار الكامل، ولم تنج من هذا المصر إلا لأن القوميين الثوريين قد اقتتلوا فيما بينهم ولأن روسيا هبت لنجدة الإمبراطور.

وكانت روسيا هي الدولة الوحيدة بين القوى المحافظة الكبرى التي لم تزعزعها الثورة، فلم تعرف بطرسبرغ أي ثورة في عام 1848، مثلها مثل العواصم الأخرى على أطراف أوروبا، كلندن ومدريد واستانبول، لهذا تمكن الجيش الروسي من إعادة النظام القديم إلى أوروبا الوسطى مع انحسار التيار الثوري، وقد تم هذا الأمر في عام 1849، فقبل أن ينقضي هذا العام كانت جميع الأنظمة قبل الثورية قد عادت إلى مواقعها، وكان الاستثناء الأساسي هو فرنسا، حيث حلت الجمهورية الثانية الجديدة محل الملكية الدستورية، وكان رئيسها يحمل اسماً مثقلاً بالشؤم هو لويس نابوليون بونابرت.





* روثينيا منطقة في أوكرانيا

* مدينة بولندية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
 
الفصل العاشر -التاريخ العالمي في طور التشكل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
رسالة مصرية ثقافية :: قسم العلوم التربوية والأدبية :: التاريخ العربي :: كتاب تاريخ العالم-
انتقل الى: