رسالة مصرية ثقافية
مرحبا بك أخي الزائر نشكر زيارتك ونتمني انضمامك للمنتدي
زيارتك تسر إدارة المنتدي ومشاركتكك تسعدنا وتساهم معنا بارتفاع الثقافة العامة
بعض المنتديات الفرعية والموضوعات
لا يمكنك الإطلاع عليها إلا بعد التسجيل كعضو في المنتدي

رسالة مصرية ثقافية

ثقافية - علمية - دينية - تربوية
 
الرئيسيةرسالة مصريةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الإيمان بالجن

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 44

مُساهمةموضوع: الإيمان بالجن   الثلاثاء 11 أكتوبر 2011 - 9:10

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مسلك الإيمان بالجن هو الخبر الصادق:
يا أيها الأخوة, المسلمون كلهم يعتقدون بوجود مخلوقات غيبيّة عنا لا نراها بحواسنا في الحالات العادية اسمها الجن, لأن الله سبحانه وتعالى في قرأنه الكريم، والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثه الشريف قد أخبرا بوجودهم بشكل قاطع لا يحتمل التأويل, في القرآن والسنة إشارات واضحة ونصوص صريحة لا تحتمل التأويل تُلزمنا أن نؤمن بالجن وهذه المخلوقات الغيبية لا نحس بها إلا أن وجودها من الأمور الممكنة عقلاً, تحدثنا في دروس سابقة كيف أن الأشياء من زاوية العقل: هناك أشياء موجودة ممكنة الوجود, وهناك أشياء مستحيلة الوجود وهناك واجب الوجود وهو الله سبحانه وتعالى, كل شيء سوى الله ممكن الوجود لكن الله سبحانه وتعالى واجب الوجود ؟ هناك ممكن الوجود عقلاً، وهناك مستحيل الوجود عادة يعني بحسب العادة النار تحرق فإذا قلت: أن النار لا تحرق هذا الكلام مستحيل بحسب العادة, لكن بحسب العقل الذي خلقها تحرق قد يمنع عنها الإحراق، فوجود مخلوقات غيبية عنا لا نحس بها من الأمور الممكنة عقلاً, فلا يكون إنكار المنكر لها إلا تكذيباً للخبر الصادق كما قلنا مراراً وتكراراً الإيمان بالملائكة، والإيمان بالجن، والإيمان باليوم الآخر هذه كلها مغيبات فمسلك الإيمان بها مسلك الخبر الصادق, لكن الإيمان بالله استدلال عقلي يقيني قطعي، فهناك إيمان تحقيقي وهناك إيمان تصديقي، فالإيمان بالملائكة والإيمان بالجن من نوع الإيمان التصديقي لأن الله سبحانه وتعالى:

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾

( سورة النساء الآية: 87)

الاستشهاد بأمثلة لتوضيح الفهم:
إذا أردتم مثلاً ما يشبه هذا في حياتنا, هناك أشياء كثيرة فهذا الجو في بث إذاعي من منكم يشاهد البث الإذاعي ؟ لا يُشاهد لكنك إذا جئت بجهاز تسمع فيه صوت البث الإذاعي, فإذا قلت: لأني لا أرى البث الإذاعي فإني أُنكر وجوده هذا كلام فيه حمق، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود مادام هذا الشيء موجوداً, ولكن الحواس لا تراه بقصورها فماذا ترى في هذا الكأس ؟ ترى ماء صافياً عذباً، لو أتيح لأحدكم أن يضع نقطة من هذا الماء تحت مجهر لرأى العجب العجاب، لرأى في هذه النقطة كائنات، ومخلوقات، وأحياء لا يعلمها إلا الله, كذلك الجن مخلوقات ليس بالإمكان أن تقول: هي غير موجودة لأني لا أراها, نقول لك: إن حواسك المحدودة ليست مقياساً للإيمان بالجن, ولكن الإيمان بهم دليل كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام نبيه عليه الصلاة والسلام, ومسلك الإيمان بها الخبر الصادق.

الأدلة الواردة في الكتاب والسنة بوجوب الاعتقاد بالجن:
لقد أخبرنا في كتاب الله, والنبي صاحب المعجزة أيضاً أخبرنا بحديثه الشريف أن هناك مخلوقات لا نراها بأعيننا لكنها موجودة, وكما تعودنا جميعاً ليس هناك فكرة تقال في هذا المكان إلا مع الدليل، وهكذا يطلب المؤمن: " إذا كنت مبتدعاً فالدليل وإذا كنت ناقلاً فالصحة " و هذه قاعدة بين العلماء مضطردة أي تقول: أنا رأي بالموضوع الفلاني كذا وكذا ما الدليل ؟ هل عندك دليل من كتاب الله أو حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أو هل عندك إجماع من العلماء حول موضوع ما, أو هل عندك قياس ؟ " إذا كنت مبتدعاً فالدليل وإذا كنت ناقلاً فالصحة ", لو تتبع الناس أو لو سلك الناس المسلك العلمي في النقل لكنا بحالة غير هذه الحالة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 6)

في كل علاقاتكم الاجتماعية، لو كان الأخ المؤمن واعياً لدرجة أنه لا يقبل كلاماً عن فلان إلا بالدليل إذ يسأل أسمعت بأذنك منه ؟ لا, إذن هذا الكلام مرفوض إلى أن يثبت الدليل على صحته, هكذا المؤمن لا فكرة تُلقى من دون دليل فالإيمان بالجن مأخوذ من قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾

( سورة الذاريات الآية:56-57)

إذن الجن ورد ذكرهم صراحة في القرآن الكريم, وقال ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾

(سورة الرحمن الآية: 33)



ما هو علة تقديم الجن على الإنس والإنس على الجن في القرآن الكريم ؟
إشارة لطيفة, لماذا قدّم الله سبحانه وتعالى الجن على الإنس في قوله تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾

( سورة الذاريات الآية: 56)

لأن خلق الجن سبق خلق الإنس، لماذا قدم الله سبحانه وتعالى الجنّ على الإنس بهذه الآية الثانية:
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ ﴾

( سورة الرحمن الآية: 33)

لأن الجن أقدر من الإنس على خرق السموات والأرض:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾

( سورة الإسراء الآية: 88)

فلماذا هنا قدّم الله الإنس على الجن ؟ لأن الإنس أقدر من الجن على صياغة الكلام, ما من تقديم و تأخير، وما من كلمة وحرف و ترتيب في كتاب الله إلا وينطوي على معنى دقيقٍ.

مقولة العلماء حول موضوع الجن:
قال العلماء: القرآن الكريم تعرّض لذكر الجن فيه في أربعين آية مجموعة في عشر سور، فالإيمان بالجن إذاً من مُسّلمات العقيدة الإسلامية, وأُركز على كلمة الجن لأن هناك فِرقاً ضالة في شرق آسيا تنفي وجود الجن، كما خصص الله سبحانه وتعالى سورة كاملة ذكر فيها قصة نفرٍ منهم استمعوا للقرآن الكريم من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم, و قصدت بالفرقة الضالة التي تؤمن أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس آخر الأنبياء، و هذه الفرق ليست من الإسلام في شيء, وهي موجودة في شرق آسيا ولها في أوروبا أيضاً نشاط تنفي أن يكون النبي آخر الأنبياء بل إن هناك نبياً بعده, وتنفي أن هناك جناً وتفسر خاتم الأنبياء بأنه ولي وليس آخرهم إلى ما هنالك، فالإيمان بالجن من مستلزمات العقيدة الإسلامية, وهؤلاء الجن الذين استمعوا إلى القرآن الكريم من تلاوة النبي عليه الصلاة والسلام قال الله في هذا:

﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

( سورة الأحقاف الآية: 29-31)

إذن فريق من الجن استمع للقرآن الكريم من فم النبي عليه الصلاة والسلام.

عقيدة الناس بالجن:
يقول المؤلف: أكثر أهل الملل والنِحل وخصوصاً أتباع الأنبياء معتقدون بنزول الجن باعتبار أن الأنبياء - وهم صادقون بلا مِرْية - قد أخبروا بوجودهم, ولا يتم إيمان المؤمن بالله إلا بأن يصدق بجميع ما يخبر به ربه هذه نقطة دقيقة, ليس لك خيار هذا الحديث يعجبك، وهذا الحديث لا يعجبك, فهذا الذي يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ليس مؤمناً, وقد قرّع الله اليهود لأنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه, فإذا آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم فكل الذي صح عنه حق, وما هو إلا وحي يوحى من عند الله سبحانه وتعالى.

كيف نؤمن بوجود الجن ؟
كيف نؤمن بوجود الجن ؟ لدينا حالتان:
1- إما أن نؤمن بوجودهم بحواسنا كما يؤمن أحدنا بوجود أخيه أمامه يراه أمامه ويسمع صوته ويصافحه, أي إذا اشتركت حاسة اللمس وحاسة السمع وحاسة البصر يسمع كلامه فيعي مضمونه.
2- وإما أن يسلك في الإيمان بالجن مسلك الخبر الصادق، فنحن كما قلنا لابد من الخبر الصادق في الإيمان بموضوع الجن.
الجن كالملائكة وليسوا كالملائكة، لا نعرف عن حقيقتهم إلا ما جاءنا عن طريق الخبر الصادق أي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لأننا لا نتصل بهم عن طريق الحس اتصالاً يفيد العلم اليقيني حتى نعرف تكوينهم، وحسبنا أن نقتصر على ما وردت به النصوص.

صفات الجن:
1- أنهم صنف غير صنف الملائكة فهم مخلوقون من مارج من نار:



ما الذي جاءت به النصوص عن الإيمان بالملائكة ؟
أولاً: أنهم صنف غير صنف الملائكة، فهم مخلوقات سفلية وليسوا مخلوقات علوية والملائكة مخلوقات علوية, مخلوقون من مارجٍ من نار أي من أخلاط نارٍ صافية, وفي بيان عنصر خلقهم قال الله تعالى:
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾

( سورة الرحمن الآية: 14-15)

وفي احتجاج إبليس على ربه حينما أمره بالسجود لآدم قال فيما يحكيه الله عنه في سورة الأعراف:
﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾

(سورة الأعراف الآية: 12)

ثانياً: أنهم مخلوقون قبل الإنس والدليل على ذلك قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ﴾

( سورة الحجر الآية: 26-27)

كل فكرة والدليل, وفي قصة أمر إبليس بالسجود لآدم واستكبار إبليس وقول الله في حقه:

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ﴾

( سورة الكهف الآية: 50)
دلالة واضحة على أن الجن مخلوقون قبل الإنس.


2- فهم كالبشر يتناسلون ولهم ذرية:

الملائكة لا يتناسلون كما قلنا من قبل أما الجن فيتناسلون ولهم ذرية, والدليل على ذلك قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾

( سورة الكهف الآية: 50)

أقّر الله سبحانه وتعالى ما ذكره النفر من الجن الذين استمعوا القرآن من الرسول عليه الصلاة والسلام حين ذكروا أن للجن رجالاً، ومتى كان فيهم رجال ففيهم نساء، وذلك يقتضي التناسل قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾

( سورة الجن الآية: 6)

هذا دليل على أنهم يتناكحون ويتناسلون منهم الرجال ومنهم الإناث، ومن شأنهم أنهم يروننا من حيث لا نراهم والدليل قوله تعالى:
﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة الأعراف الآية:27 )

3- أنهم مخلوقات قابلة للعلم والمعرفة وذات إرادة واختيار:

أنهم مخلوقات قابلة للعلم والمعرفة, وذات إرادة واختيار كالإنسان, فهم مكلفون مثلنا بالإيمان والعبادة، منهيون عن الكفر والعصيان، فكثير من خطابات التكليف والتحدي في القرآن الكريم يجمع الله فيها بين الجن والإنس، قال تعالى في سورة الذاريات:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴾

(سورة الذاريات الآية: 56-57)

أي علّة خلق الإنس والجن العبادة، وفي أدق تعريفات العبادة طاعة تسبقها معرفة وتعقبها سعادة، لا عبادة بلا معرفة، ولا سعادة بلا عبادة، ولا عبادة بلا سعادة، وأدق تعريفات للعبادة أنها طاعة لله، وانقياد كلي لأوامر الله، وهذا الانقياد لا يكون إلا بعد معرفة الله:
﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾

( سورة فاطر الآية: 28)
وإذا كان فلابد من أن يتبعه سعادة لا توصف, وقال تعالى:
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴾

( سورة الأنعام الآية:130)
وقال تعالى:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾

(سورة الإسراء الآية: 88)


4- أن الجن قسمان: مؤمنون وكافرون:



الجن قسمان: مؤمنون وكافرون وهذا تابع لما منحهم الله به من إرادة واختيار, الذي اختار من الجن أن يكون مؤمناً آمن، والذي اختار أن يكون كافراً كفر, فبعضهم مؤمن وبعضهم كافر بحسب اختيارهم, فالكافرون من الجن هم الشياطين, وحيثما وردت كلمة " شياطين " ربنا قال:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 112)

هم الكفار من الإنس والكفار من الجن, إبليس واحد أما الشياطين فمن ذريته, وهم جنود الشيطان الأول إبليس اللعين, الذي كان أول من عصى ربه من الجن, وأول من كفر بنعمة الله منهم، فما الدليل على أن هناك مؤمنين منهم وكافرين ؟ قال تعالى:
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً ﴾

( سورة الجن الآية: 1-2)
وفي الآية:
﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً﴾

( سورة الجن الآية: 4)

من سفيههم ؟ إبليس اللعين, و أقرب المخلوقات للبشر الجن من حيث التكليف والاختيار والإرادة, وأنهم حملوا الأمانة, وأنهم مكلفون بالإيمان, منهم المؤمنون ومنهم الكافرون قال الله:
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾

( سورة الجن الآية: 14-15)

هذا قول الجن, يتوهم الإنسان أن كلمة قاسط أي إنسان عادل " لا ", القاسط هو الظالم, والمسقط هو العادل, وقد سأل الحجاج شخصاً رآه في الطريق قال له: من أنت ؟ قال له: أنا فلان، فقال له: أنا الحجاج فما قولك بي ؟ قال له: أنت قاسط عادل, فقال الحجاج لأصحابه: هل تدرون ماذا قال لي ؟ ظّنوه يمدحه قال لهم: قال لي: أنت ظالمٌ كافر, قالوا كيف ذلك ؟ قال:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 1)

فالذي عدل عن الإيمان إلى الكفر فهو قاسط أي ظالم.

5- أنهم يحشرون يوم القيامة ويحاسبون على أعمالهم:



هؤلاء الجن يحشرون يوم القيامة ويحاسبون على أعمالهم, فيثابون ويعاقبون قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 128)
قال الله تعالى مقرراً عقوبة الكافرين من الجن في سورة هود:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

( سورة هود الآية: 119)

هنا استنباط لطيف, لن تكون العقوبة إلا بعد مخالفة ناشئة عن التكليف، ولن يكون التكليف إلا بعد الاختيار فهي سلسلة.

6- أن لهم قدرات كبيرة ومهارات صناعية فائقة:



لهم قدرات كبيرة ومهارات خطيرة, فقد سخر الله لسليمان الجن يقومون له بأعمال البناء والغوص في البحار, والأعمال الصناعية الكبرى كالجفان الكبيرة والقدور الراسية والأعمال الفنية وكالتماثيل والصور, وقد كانت جائزة ثم حُرّمت في الإسلام إلى غير ذلك من أعمال كبيرة مختلفة قال تعالى:
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾

( سورة ص الآية: 35- 36)

قال تعالى حكاية لقول أحد الجن من جنود سليمان الذين سخرهم الله له, حينما قال الجنيّ لسليمان: أنا آتيك بعرش بلقيس قبل أن تقوم من مقامك:
﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴾

( سورة النمل الآية: 39)

قال تعالى في وصف أعمال الجنّ الذين سخرهم الله لسليمان يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان:
﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾

( سورة سبأ الآية: 13)



7- أنهم كانوا قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام:

أنهم كانوا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، يسترقون السمع من السماء من أفواه الملائكة من السماء, وينقلونها إلى قرنائهم من الإنس في الأرض, وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنه أنّه قال: كان الجن يقصدون السماء في الفترة بين عيسى ومحمد فيستمعون أخبار السماء ويلقونها إلى الكهنة, فلما بعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام حُرست السماء وحيل بين الشياطين وبين خبر السماء, وأرسلت الشهب عليهم والدليل:
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً ﴾

( سورة الجن الآية: 8-9)

أي كان الجن يسترقون السمع, ويتلقفون بعض الأخبار التي تعني أهل الأرض من الملائكة، فإذا ألقاها هؤلاء الكهان توهم الناس أن الكهان يعلمون الغيب, مثلاً: إذا كنت جالساً في بيت ووجدت ورقة على الطاولة لصاحب البيت بأن هناك موعداً في الساعة الخامسة سيأتي فلان لعندي على مفكرته خرج من الغرفة, و وجدت مفكرة على الطاولة قلبتها وجدت الموعد فيها, ولعل الساعة الآن الرابعة جلست، هناك أشخاص كثيرون قاعدون في الغرفة الساعة الخامسة, طُرق الباب فقلت لواحد: أنا أعلم من لدى الباب " فلان " قال لك: كيف علمت ؟ أنا أعلم, فلما فتح الباب دخل فلان, هذا إذا كان ساذجاً توهم أنك تعلم الغيب, لكنك استرقت من هذه المفكرة التي على الطاولة هذا الموعد, وعرفت اسم الذي سيطرق الباب الساعة الخامسة, فلما طُرق الباب قُلتَ فلان لدى الباب، هذا ليس من علم الغيب في شيء, إنما هو استراق للسمع.
قد يتوهم الساذج المغفل غير الديّن أن الكاهن يعلم الغيب, فلما جاءت بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ضُرب حصارٌ على الجن لئلا يتقول عليه الأقاويل، ولئلا يتوهم أتباع النبي عليه الصلاة والسلام أن الجنّ لهم علاقة بموضوع الرسالة قال الله:
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾

( سورة الجن الآية: 8-9)
كما تلاحظون ليس هناك فكرة تقال إلا مدعومة بآية أو حديث.

8- أنهم يأكلون أكلاً لا نعلم كيفيته ولا ماهيته:



أنهم يأكلون أكلاً لا نعلم كيفيته ولا ماهيته، وأن الله قد جعل زادهم في العظام وغيرها كما جاء في بعض الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, و لهم قدرة على التشكل بالأشكال الجسمية التي يمكن أن نراها بحسب استعداداتنا البشرية، فقد جاء في طائفة من الأخبار, أن ظهور الجن أحياناً بشكل غير اعتيادي يتشكل بشكل أو بآخر ورد في هذا بعض الأخبار.

أسئلة تدور في فلك الإنسان تخصص للإجابة عليها في الدرس القادم إن شاء الله:
ما علاقة الجن بنا ؟ آمنا بوجودهم وعرفنا صفاتهم, لكن هل للجن تأثير علينا ؟ هذا أكبر سؤال, فلان مسحور، فلان يخاوي الجن، فلان سنأخذه إلى هذا الشيخ ليفكّ عنه السحر هذا الكلام الطويل المعقد الذي أضلّ الناس وضلوا به إن شاء الله سيخصص له درس كامل في الدرس التالي.
هل للجن تأثير على الإنس ؟ وهل للشياطين سلطان على الإنس في عقائدهم وإرادتهم وأعمالهم ؟ و هل يّلقي الجن للإنس علوماً وأخباراً ؟ و هل يعلم الجن الغيب ؟ لا يوجد موضوع يثير حماس الناس وفضولهم وشغفهم كعلاقتنا بالجن, لأن الإنسان الساذج كلما ارتكب معصية يقول لك: الله يلعن إبليس لماذا ؟ لا دخل له, أنت المقصر وأنت المذنب, وهل لهم تأثير على أجسامنا ؟ وهل يتعاون الجن مع الإنس ؟ هذا كله سأجيب عنه إن شاء الله تعالى بشكل مفصل في الدرس القادم ليكون هذا الدرس حاسماً في رد كل الشبهات والافتراءات والظنون والأخيلة والأوهام والخرافات التي تستأثر بعقل الناس وتجعلهم يعتقدون بالله اعتقاداً فاسداً يثبط عزائمهم ويصرفهم عن طريق الحق.
فقد تجد مثقفاً يقول لك: زارني شخص يحمل شهادة عليا قال لي: أنا مسحور وأريد أن أفك السحر عند فلان ما هذا الكلام ؟ يقول لك: فلان سحروه، وفلان يعاونه الجن في ضرب المندل, الدرس الثاني سيكون رداً على هذا التساؤل.

والحمد لله رب العالمين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 44

مُساهمةموضوع: رد: الإيمان بالجن   الثلاثاء 11 أكتوبر 2011 - 9:11

علاقة الجن بالإنسان - هل لهم تأثير عليهم؟

ما نص عليه علماء الأصول في بعض العقائد يجب على المسلم أن يتعلمها بالضرورة:
أيها الأخوة, هناك مجموعة من العقائد يجب أن يعلمها المسلم بالضرورة, لأنه إذا جهلها انحرفت عقيدته، وإذا انحرفت عقيدته انحرف سلوكه, وإذا انحرف سلوكه شقي في الدنيا والآخرة، فمعرفة بعض العقائد التي نص عليها علماء الأصول فرض واجب على كل مسلم، هناك معلومات معرفتها تُعد فرض كفاية, التبحر مثلاً في علم المواريث هذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل, لكن معرفة الإيمان بالله تحقيقاً, والإيمان بأسمائه الحسنى, والإيمان بالملائكة, والإيمان بالجن، والإيمان بالرسل، والإيمان بالكتب، والإيمان بالقضاء والقدر, هذه عقائد يجب أن تُعلم بالضرورة, وهي فرض عين على كل مسلم.
لو أنّ إنساناً اشترى سيارة, يجب أن يعرف أنه إذا تألق الضوء الأحمر في لوحة العدادات لابد من أن يقف فوراً ليضيف زيتاً إلى المحرك وإلاّ يحترق المحرك, هذه المعلومات يجب أن يعرفها كل من يقود سيارة، لكن نوع الخلائط التي استخدمت في صناعة المحرك هذه ليست لكل من يركب السيارة, هذه للذين يتخصصون في صناعة السيارات، فهناك علوم يجب أن يعلمها كل إنسان مسلم ولا عذر له في جهلها، وإذا جهلها زاغت عقيدته فانحرف سلوكه فشقي في الدنيا والآخرة.
إذن موضوع الجن من العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة, لأنك إذا توهمت أن هذا فلان يعرف الغيب، وأن هذا الشيخ يطّلع على ما سيكون, إنك تمشي في متاهات لا أساس لها من الصحة.

ما هو مدى علاقة الجن بالإنس ؟
1- الشيطان لا يستطيع أن يؤثر على الإنسان إلا إذا خضع له واعتبره شريكاً مع الله:



ما هو مدى علاقة الجن بالإنس ؟ مرّ معنا من قبل, أن الجن منهم المؤمنون, ومنهم الكافرون قال الله:
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾

(سورة الجن الآية: 11)

إن يكن لخبثاء الجن بعض التأثير الجسمي على أحدٍ من الإنس, فإنما يؤثرون على من يستكين بأوهامه وتخيلاته لسلطانهم, لا يستطيعون أن يؤثروا على أحد إلا إذا استكان لهم وخضع لهم واتبعهم واعتقد بهم وأشركهم مع الله عز وجل, هذا الذي يفعل ذلك يتحمل تأثيراتهم, و كل من يتخيل أنهم بيدهم نفعه أو ضره, ويخضع لسلطانهم يتعرض لمسّهم وتخبطاتهم لاستعاذته بهم, هذه الحالات محددة.

2- من أراد أن يستخدم الجن ليضر الناس بهم لا يقع شرهم وكيدهم إلا عليه ؟



من أراد أن يستخدم الجنّ ليضرّ بهم إخوانه من الإنس, أو من التمس النفع عندهم، أو من استعاذ بهم، أو من خضع لسلطانهم، أو من اعتقد بهم, أو من استكان بأوهامه لهم, هذا الإنسان بالذات يدفع ثمن جهله وثمن شركه وثمن ضلاله قد يتعرضون له بالأذى ؟ فقد علّمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نستعيذ بالله من همزات الشياطين، ومن حضورهم ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن عَمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
" عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمِ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ "

(أخرجه الترمذي وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في سننهما)

إذا وجد ابنه في الليل بكى بكاءً شديداً فجأة، فليستعذ بالله من همزات الشياطين، هذا هو السلاح الفعال، هذا هو السلاح المجدي، ومنه ما رواه أبو داوود وابن ماجه بإسناد صحيح عن زيد بن الأرقم قال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلاءَ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ "

( أخرجه أبو داود وابن ماجه عن زيد بن الأرقم في سننهما, بإسناد صحيح )


هل يلقي الجن للإنس علوماً وأخباراً ؟
1- الخبر المشهود:

لا يمكن لإنسان أن يتعاون مع الجن إلا أن يكون كافراً, لأن من أدق تعريفات الساحر: هو الذي يتصل بالجن وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ "

( أخرجه النسائي عن أبي هريرة في سننه, إسناده ضعيف )

فأي اتصال بين الجن وبين الإنس هذا الاتصال هدفه إضلال البشر، ولو لبس هذا الذي يتصل بالجن بزيّ ديني, و لو لبس عمامة خضراء هو عند رسول الله عليه الصلاة والسلام كافر، لأن هدفه إيهام الناس أن بيد الجن النفع والضر, هدفه تحويل الناس عن الله سبحانه وتعالى إليه.
هل يلقي الجن للإنس علوماً وأخباراً ؟ أما العلوم والأخبار التي يمكن أن يلقيها الجن إلى الكهان فهي بحسب مواضيع هذه العلوم التي يلقونها، فإن كانت من العلوم التي تتعلق بالأمور المشهودة, مثلاً: في حلب نزلت أمطار غزيرة هذا اليوم, هذه من الأشياء المشهودة وليس من الأشياء الغيبية، لكن نقل الخبر قد لا يكون متيسراً للإنس قبل الاتصالات السلكية واللاسلكية, وقبل السفر السريع إلى هذه البلاد, فنقل أنباء الأمطار التي هطلت في حلب اليوم إلى الشام متعذر, فالجن أحياناً يستطيعون أن ينقلوا هذه الأخبار التي وقعت, هذا الأمر ليس من عالم الغيب و إنما هو من عالم الشهادة، فإن كانت من العلوم التي تتعلق بالأمور المشهودة أو الأخبار التي عن الوقائع الماضية، فإنها أخبار تحتمل الصدق والكذب قد يصدقون, وقد يكذبون.
ومن جهة ثانية: لا يصح الثقة بأخبارهم لانعدام المقاييس التي بحوذتنا في معرفة صدقهم وكذبهم, فانتقال الجن سريع جداً والدليل:
﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴾

(سورة النمل الآية: 39)

قبل أن يقوم سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام من مقامه, يستطيع عفريت من الجن أن يأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى القدس، فانتقاله سريع جداً لذلك لما قال الله عز وجل:
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾

(سورة الرحمن الآية: 33)

الله سبحانه وتعالى قدم الجن على الإنس, لأنهم أقدر من الإنس على خرق السموات والأرض لميزات أعطاهم الله إياها.

الاستشهاد بأمثلة من الواقع للتوضيح:
شخص أعرفه توفي رحمه الله, سُرقت من بيته قطعة أثاث ثمينة جداً " سجادة ", فدلّه بعضهم على ضارب المندل قال: ذهبت إلى ضارب المندل, وجاء بوعاء وضع فيه زيت, وجاء بغلام صغير وصار يسأل هذا الغلام, والغلام يجيب يقول الغلام: هذه السجادة موجودة في بيت, أمام البيت حجر كبير, الباب لونه كذا, يُفتح الباب على اليمين في غرفة تدخلونها، في زاوية الغرفة في مكان عليه فرش و لحف تنزعون الفرش واللحف, هناك صندوق عليه قطن, السجادة تحت القطن, هكذا قال ضارب المندل, فقال هذا الرجل: توجهت إلى هناك وأخذنا معنا المختار, و كل شيء قاله هذا الطفل في المندل صحيح، دخلنا البيت ثم دخلنا إلى الغرفة, ووجدنا في زاوية الغرفة صندوق وفرش ولحف, فتحنا الصندوق وجدنا القطن ولكننا لم نجد السجادة ! ذهبوا لصاحب البيت فإذا هو بياع سجاد, ضربوه ولشدة الضرب قال: نعم أنا أخذتها وبعتها, واختاروا إحدى السجادات وأخذوها مكانها, قال هذا الرجل: أخذنا السجادة بنفس القياس بعد أربعة أشهر يقول لي رجل كان في السجن: أتدري من سرق من عندك السجادة ؟ قلت له: أعرفه, قال لي: لا, كنت في السجن, فحدثني أحد السجناء: أنه هو الذي دخل بيتك وسرق السجادة, أين كلام الجن ؟ كذابون, لكن معالم هذا البيت يعرفونها لا شك, لكنهم لا يعرفون من أخذ السجادة, لذلك: ضرب المندل كذب و دجل, لكن بأثناء الكلام قد يوجد بعض الحقائق ليست غيبية بل مشاهدة. هذه القصة أردت منها أن الجن في نقلهم للأخبار المشهودة يكذبون ويصدقون, فلا يعول على كلامهم, لأننا لا نملك مقاييس للتفريق بين كذبهم وبين صدقهم.

2- الخبر الغيبي:

أما إذا كانت من المغيبات التي استأثر الله بعلمها:
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾

(سورة لقمان الآية: 34)

لا إنس ولا جن ولا نبي ولا رسول يعرف ذلك، ولا يكون التحدث بشيء منها إلا كذباً وافتراء على الله, ربنا عز وجل قال:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 59)

لكن لو قال عز وجل ومفاتيح الغيب عنده: هل هناك فرق ؟ نقول: هناك فرق كبير جداً, إذا قال الله عز وجل ومفاتيح الغيب عنده: معنى ذلك هي عنده, وقد تكون عند غيره, حينما قدّم الظرف على المبتدأ فقال وعنده مفاتيح الغيب, معنى ذلك أن الغيب محصور ومقصور على الله وحده, وليس لأحد كائناً من كان أن يعرفه.
كل من قال لك: أنا أعلم ما سيكون, دجال، هذه الصرعة التي ظهرت حديثاً في كل عاصمة كبيرة كاهنة أو كاهن, يأتيها رجال من علية القوم يسألونها عن المستقبل, هل سأبقى في هذا المكان ؟ ماذا يحصل لي في المستقبل ؟ دجل في دجل، كذب في كذب، غباء في غباء, لا يعلم الغيب إلا الله.
أما المغيبات التي قُضي أمرها في السماء, وأصبحت معلومة لذوي الاختصاص من الملائكة، كما أصبحت معدة لتبليغها للملائكة, جاء فيها حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
" عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ الْملائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ "

( ورد في الأثر )

﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾

(سورة الذاريات الآية: 32-34)

هكذا قالت الملائكة: لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام, لا تزال القرية بحالها، الأمر لا يزال طبيعي جداً, لكن الملائكة أباحوا لسيدنا إبراهيم أنّا أُرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين, فهل هذا من قبيل علم الغيب ؟ لا, هذا القرار اتخذ في السماء وبُلغ لأصحاب العلاقة لينفذوه, من هذا القبيل قال عليه الصلاة والسلام
" إِنَّ الْملائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ "

( ورد في الأثر )

يعطوك خبر صحيح، ويمرقوا عليه مليون خبر كذب، عملية استراق أمر قضى الله به في السماء, وبُلغ للملائكة لتنفيذه يأتي الشيطان فيسترق هذا الخبر ليوحيه للكاهن، يقوله للناس، فيوهم الناس أنه يعلم الغيب, وهذا هو استراق الشياطين السمع من الملائكة بعد نزولهم إلى جو الأرض وليس من السماء, كما كان دأبهم قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومُنعوا بالشهب:
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً ﴾

(سورة الجن الآية: 9)

﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾

( سورة الجن الآية: Cool

وفي تكذيب من يلقي سمعه للشياطين وإثمه الكبير قال تعالى في سورة الشعراء:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾

( سورة الشعراء الآية: 221- 223)

لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت, هذا الذي يُلقي أذنه للشيطان هو أفّاك أثيم، ضالٌ مُضل قال الله:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾

( سورة الشعراء الآية: 221-222)

أي تعاون بين أي إنسان وبين أي شيطان, هذا دليل قطعي على أن هذا الإنسان أفاك أثيم, ولو لبس جبّة, ووضع على رأسه عمامة خضراء, ولقّبَّ نفسه الولي الفلاني.
هنا آية أعظم وأوضح في أن الجن لا يعلمون الغيب أبداً, سيدنا سليمان قبضه الله عز وجل وهو مستندٌ إلى عكازه قيل: بقي مدة طويلة لا يدري كم بقي ؟ إلى أن جاءت دابة الأرض يعني السوسة ونخرت في هذه العكازة، حتى أتت عليها كلها, فلما أتت عليها كلها انكسرت فوقع سيدنا سليمان، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾

(سورة سبأ الآية: 14)

كان يكلفهم بأعمال شاقة فكانوا يتحملونها خوفاً منه، لو أنهم يعلمون الغيب بمجرد أن قبضه الله عزّ وجل لخففوا من هذه الأعمال، فربنا عز وجل جاء بهذه القصة ليؤكد بشكل قاطع، ودليل قطعي على أن الجن لا يعلمون الغيب.
الجن لا تعلم الغيب، وقولاً واحداً ليس للجن تأثير على الإنسان تأثير جسماني, شخص وقع في الساعة, فيه نوعان: نوع مرض عصبي، و نوع من تأثير الشياطين, المرض العصبي كما قال بعض الأطباء: تخريش بالدماغ هذه تعالج, لكن قد يكون بعض أنواع الصرع إذا خاف الإنسان من الشيطان و اعتقد به, و استسلم له، وتوهم أنه ينفعه أو يضره، و أشركه مع الله عز وجل، عندئذٍ يقع تأثيره عليه.

هل للشياطين سلطان على الإنس في عقائدهم وإرادتهم وأعمالهم ؟
أما أن يكون للشياطين على الإنس سلطان في عقائدهم وتوجيه إرادتهم للأعمال السيئة فذلك مما لا سبيل لهم إليه, لا سلطان للشياطين على الإنسان لا في عقائدهم ولا في إرادتهم ولا في أعمالهم مطلقاً, لأن الله حجزهم عن ذلك, ولم يجعل لهم سلطاناً على بني آدم ليكون الإنسان حر في اختياره, يخاطب الله عز وجل رأس الشياطين إبليس في سورة الحجر:

﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾

( سورة الحجر الآية: 42)

هل هناك دليل أوضح من ذلك قال الله:


﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ﴾

( سورة الحجر الآية: 42)

إلا إذا اتبعك هو.
من صفات الشيطان:


﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾

( سورة الناس الآية: 1-6)

الخناس على وزن فعال, يعني سريعاً ما يهرب لو عذّت بالله عزّ وجل انتهى الأمر.

ما هي وظيفة الشيطان في الأرض ؟
أين ينحصر عمل الشيطان ؟ مادام ليس له علاقة بعقائدنا, ولا بإرادتنا, ولا بأعمالنا, ولا يعلم عن الغيب شيئاً، ولا يؤثر على أجسامنا, عمله محصور في وظيفة الوسوسة الخفية هذا كل ما يملك, أنا أقول دائماً هذا المثل: واحد مرتدي أجمل الثياب، سائر في الطريق، في حفرة كبيرة فيها مياه سوداء نزل فيها, وتوجه إلى مخفر الشرطة ليشتكي على السبب قال له المحقق: هذا الرجل دفعك في هذه الحفرة ؟ قال له: لا, قال له: أجبرك أن تنزل فيها ؟ قال له: لا, قال له: أمسكك ووضعك في الحفرة ؟ قال له: لا, قال: فكيف تشتكي عليه إذن ؟ قال, قال لي: انزل فنزلت, هذا بحاجة لمستشفى المجانين وليس بحاجة لمن يشتكي عليه هكذا قال الله عز وجل:

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 22)

ينحصر عمل الشيطان في الوسوسة الخفية, ولا يزيد على ذلك شيئاً, وهذه الوسوسة تخنس وتتخاذل أمام حزم المؤمن وإرادته والتجائه إلى الله تعالى بالاستعاذة والذكر والمراقبة, أما إخوان الشياطين فإنهم يستجيبون لوسوستهم, وينساقون معهم فيتسلط الشيطان عليهم, فيمدهم في الغيّ ويزين لهم الشر والضلالة, إنسان طلق زوجته وشرد أولاده, لأنه سمع كلام الشيطان, مازال الشيطان يوسوس له أن يطلقها حتى طلقها فخسرها وشرد أولاده, إذن هذا من عمل الشيطان إنه عدو مُضلّ.
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾

(سورة القصص الآية: 15)

قال تعالى:
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 200)

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 201-202)

النزغ يعني الوسوسة، طائف من الشيطان يعني وسوسة من الشيطان بفكرة سيئة.

التوازن الذي أقام الله الإنسان عليه في مقابلة الشيطان قرين من الملائكة يدعوه إلى الخير:

في توازن وقد جعل الله تعالى في مقابلة وسوسة الشيطان التي هي من اختصاصه, داعياً للخير عن طريق ملك من ملائكة الرحمن, دائماً مع الإنسان قرين ملائكي, و قرين شيطاني، الملائكي يقول له: يا عبد الله تفكر في خلق الله, يا عبد الله أطع أمر ربك, يا عبد الله كن محسناً, أما الشيطان خذ المحل التجاري منه ليس له اسم في الإيجار، يقول الشيطان دائماً: افعل معه كذا وكذا, خذ هذا المبلغ راتبك قليل لا يكفيك, دائماً الإنسان بين وسوسة الشيطان وإلهام الملك:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾

( سورة هود الآية: 7)

يقول عليه الصلاة والسلام:

" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الأخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثُمَّ قَرَأَ ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ) "

( ورد في الأثر)

﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة الآية: 268)

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِيَّايَ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَلا يَأْمُرُنِي إِلا بِحَقٍّ "

( ورد في الأثر )



الأدلة الواردة من الكتاب على ابتلاء الله للإنسان بقرين من الخير وقرين من الشر:
جاءت الإشارة في القرآن الكريم:

﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾

( سورة ق الآية: 23)

هذا حسابه, فعل كذا وكذا وكذا, هذا قرينه الملائكي معه كل أعماله:



﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴾

(سورة ق الآية: 23- 26)

قال قرينه الثاني:


﴿ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾

( سورة ق الآية: 27)

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 22)

هذه آية تؤكد أن لكل إنسان قريناً ملائكياً وقريناً شيطانياً, فالملائكي يقول لك: افعل واستقم وغض بصرك، أما الشيطاني يقول له: طلع شو صار الله بتوب عليك, لا تدقق, خذ المال الحرام أنت فقير, الآية واضحة.

خدعة من أعمال السحرة للإنسان لتضليله:
أيام تسمعون عن تحضير الأرواح, هنالك مشعوذين، دجالين، سحرة, يأتي واحد ساذج يسألوه أتريد أبوك ؟ يجيب طبعاً، يقولوا له: أبوك كان يشتغل شرطي فيجيب: نعم صحيح، يقولوا له: أبوك كان مصاب برأسه، فيجيب: نعم صحيح, فيوهموه بأن أبوه أتى من الآخرة, كل ذلك دجل, هؤلاء الجن يستدعون قرينه الذي كان في الحياة معه فهذه المعلومات من قرين أبيه لا من أبيه، ما فعلوا إلا أن استحضروا القرين الجني الذي كان مع هذا الميت, فأعطاهم بعض المعلومات لأنه كان رفيقه هذا كل ما في الأمر.
هؤلاء يفترون على الله افتراءات ما أنزل الله بها من سلطان, فينسبون إلى الجنّ علم الغيب, ويتلاعبون في عقول السُذج من النساء وصغار العقول, أو يدّعون قدرة الجن على النفع و الضرر، والجن أنفسهم لا حول لهم ولا قوة، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا أن يشاء الله, وقد بيّن القرآن أن أهل الجاهلية الذين كانوا يعوذون برجالٍ من الجن لم ينفعوهم شيئاً, بل زادوهم غيّاً وضلالاً وبعداً عن الأمن الذي يرجونه منهم قال تعالى:

﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾

(سورة الجن الآية: 6)

ملخص البحث:
عن حفصة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً "

( ورد في الأثر)

لم يصدقه ولكنه أراد أن يتسلى, هذا الذي يفعل ذلك لن تقبل له صلاة أربعين صباحاً, ولا دعاء أربعين ليلة, فلو صدقه فقد كفر, العلماء قاسوا على ذلك قراءة الفنجان, يقال له: سيأتيك دفعة من المال, إذن يُحمل على هذا قراءة الكف، يحمل على هذا التطيّر " التشاؤم ", مثلاً: دخل لعنده زبون البيعة لم تتم، يُحمل على هذا من فتح مجلة أسبوعية فيها حظك هذا الأسبوع، فهؤلاء المنجمون والمنجمات، والمشعوذون والمشعوذات، والساحرون والساحرات الذين ينسبون للجن النفع أو الضرر, ويتحدثون عنهم بالمغيبات إنهم كذابون دجّالون عصاة لله ولرسوله هذا كلام واضح مثل الشمس, يُريدون أن يستولوا على المغفلين السذج، البسطاء ليضلوهم, ويسلبوا منهم أموالهم.
كيف صدقوا ؟ صدفة, إمّا عنده معلومات كما تحدثنا، أو استرق الخبر من الملائكة أذاعه للكاهن, الكاهن تكلم به, أوهم الناس بأنه يعلم الغيب, هذا إذا صدقوا صدفة, صدقوا بمعنى جاء الخبر مطابق للواقع صدفة أو جاء من نوع استراق الخبر، فالاستعاذة لا تكون إلا بالله، والاستعانة لا تكون إلا بالله, إياك نعبد وإياك نستعين.
تعقيب أخير: إن يكن للجن شيء من القوة المادية فيما بينهم فقد صرفهم الله تعالى
في مجرى العادات عن أن يكون لهم سلطان على الإنس والجن في نفعٍ أو ضرر إلا أن يشاء الله عزّ وجل شيئاً لحكمة أرادها.

استخلاص العبر والحكم من هذه القصة:
" رواية طريفة " لامرأة متزوجة فجأة قلبت لزوجها ظهر المجن فجأة, معاملة سيئة، تقصير, إهمال، كلام قاسي، فكلما عاتبها قالت له: أنا متزوجة غيرك كاد عقله أن يطير, من ؟ تقول له: من تحت يعني رجال من الجن, لأن الجن عالمهم سفلي والملائكة عالمهم علوي, فهذا الرجل استجار بعالم من علماء بلده ورجاه رجاءً حاراً أن يأتي معه إلى البيت ليقنعها, ما هذه القصة ؟ تقول: قد تزوجت واحد غيري " جني متزوجة " ! فجاء هذا العالم وجلس " طبعاً من وراء حجاب " فقال لها: يا بنيتي من تزوجتِ ؟ فقالت: واحد من تحت يعني جني, قال: كيف علمت ذلك ؟ قالت: رأيته في المنام, قال: ما شكله ؟ قالت له: شيخ لابس عمامة خضراء, قال لها: مسلم أم كافر, قالت له: مسلم, قال لها: غلط.
أولاً:

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

(سورة الأعراف الآية: 27)

الإمام الشافعي يقول: من قال إني رأيت الجن: لا تقبل شهادته, لأنه كذاب ومزوّر أنصدقه أم نصدق الله سبحانه وتعالى ؟ الله جلّ في علاه يقول: " إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ " فقال لها أولاً: إنك لن تريه.
ثانياً: لو أنه مسلم لما فعل هذا, لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
" عَنْ جَابِرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَسَكَتُوا فَقَالَ لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) قَالُوا لا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ "

( ورد في الأثر)

القسم المؤمن من الجن صالحون طيبون فهذا كلام فيه افتراء, قال لها: أنت مسلمة أم كافرة, قالت: مسلمة, فقال لها: قال ربنا أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا, يعني لست بمشاهدة للجن, وليس له عليك سلطان, وهذا الذي تدّعينه ليس مؤمناً, فتبيّن أنه يُسكنها زوجها مع سلفتها, متضايقة منهم، فعملت هذه الحيلة من أجل أن تنجو من ضرتها أو سلفتها في البيت, ليس صحيحاً إطلاقاً أن يتزوج رجل من الجن امرأة من الإنس.

الحقائق التي يمكن أن نستنبطها من سورة الجن:
1- الجن لا يملكون للإنسان نفعاً أو ضراً:



أهم ما في الموضوع أن الله سبحانه وتعالى يقول في سورة الجنّ بالذات:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾

(سورة الجن الآية: 20)

فالعلماء قالوا: الشرك هنا أن تعتقد بأن الجن ينفعون أو يضرون, ثم يقول عزّ وجل في الآية نفسها:
﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

(سورة الجن الآية: 21)

فاسمعوا يا أخوان: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام حبيب الحق، وسيد الخلق, وسيد ولد آدم، وأعلى مخلوق في الكون لا يملك نفعاً ولا ضراً, أفيملك النفع والضر الجنّ ؟ أين جاءت هذه الآية ؟ في سورة الجن لماذا ؟ ليعلمنا الله سبحانه وتعالى لا يمكن للجن أن يكون على الإنسان من سلطان ؟
﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلَّا بَلَاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً * حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً * قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ﴾

( سورة الجن الآية: 21-26)

هذه الآية, وهذه الآيات كلها وردت في سورة الجنّ، من أجل أن يؤكد الله لنا أن موضوع الجن لا يملكون نفعاً ولا ضراً، ولا يعلمون الغيب، ولا يملكون إلا شيئاً واحداً هو الوسوسة الخفية, فإذا قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم انتهى كل شيء, معلومات دقيقة جداً مأخوذة من كل آيات الشياطين في القرآن الكريم.

2- على قدر الطاعة لله لا يقترب منك الشيطان وعلى قدر المعصية يقترب منك:



قال تعالى:
﴿إ ِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾

(سورة آل عمران الآية: 155)

لما الإنسان يرتكب معصية يصبح قريباً من الشيطان، فإذا أطاع الله عزّ وجل يصبح الشيطان بعيداً عنه, لذلك يا عمر, ما سلكت فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً آخر.

3- إذا جاءك خاطر خوف من الطاعة لله هذا من الشيطان ليبعدك عنه:

الشيء الثاني:
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

(سورة آل عمران الآية: 175)

حينما تأتيك خواطر الخوف من طاعة لا تصلي أحسن لك, لا تدفع زكاة مالك هذا من الشيطان.

4- حيل الشيطان وخداعه للإنسان:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾

(سورة البقرة الآية: 168)

الشيطان ذكي لن يأمرك بالزنا, يأمرك بإطلاق البصر, ثم بالسلام, ثم ببعض عبارات الثناء, وينتهي الأمر إلى الزنا، الشيطان يمشي معك خطوة خطوة بأكل المال الحرام، بالاختلاط بالنساء, الشيطان ذكي يعرفك مؤمناً فلا يقترب منك، أما لو رأى فيك ضعفاً يعطيك معصية مخففة جداً شيء بسيط جداً, هل أنت متوحش ؟ يسلم على جارته, وبعدها يُحضر لها سندويشة, صار في علاقة قال تعالى:
﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 168)



لماذا بدأ الله بشياطين الإنس قبل الجن ؟
أريد أن أقول كلمة واحدة في آية حيرتني قال تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾

(سورة الأنعام الآية: 112)

لماذا بدأ الله بشياطين الإنس ؟ لأنهم أشد إيذاءً من شياطين الجن, ربنا قال:


﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾

(سورة يوسف الآية: 28)

فالمرأة الشيطانة كيدها أعظم من كيد الشيطان الجني.



الأماني والغرور الذي يعده الشيطان للإنسان:
﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

(سورة النساء الآية: 120)

في إنسان ارتكب جريمة، وسرق مبلغاً ضخماً، ماذا يعده الشيطان ؟ يشتري بيت, يشتري سيارة، يعيش في بحبوحة، يُسافر، وبعد ساعتين يتم القبض عليه قال الله:
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا ﴾

( سورة النساء الآية: 120)

كلما رأيت واحداً واقعاً في مشكلة وأزمة كبيرة وكان عاصي هذا من عمل الشيطان لا تقولها له:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

(سورة الأنعام الآية: 68)

إذا نسي الواحد أن يصلي يعني أن شيطانه ذو قوة يقول لك: قد نسيت.


﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

(سورة الأنفال الآية: 48)

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾

(سورة مريم الآية: 45)

إذا أتت مصيبة على الإنسان, ولم يكن إيمانه قوي فقد يوالي الشيطان, يقول لك: في الكون لا يوجد رحمة, لا يوجد عدل, مع أن الله يكون قد ساق له شيء بحسب ما يستحقه بالضبط.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
Eng. Ahmedzoubaa
Admin
avatar

عدد المساهمات : 1216
تاريخ التسجيل : 28/08/2010
العمر : 44

مُساهمةموضوع: رد: الإيمان بالجن   الثلاثاء 11 أكتوبر 2011 - 9:12

هل يكفي للمستعيذ بالله إذا مسه شيطان مقولة الاستعاذة ؟
أيها الأخوة, هناك نقطة في الدرس الماضي وهي أن الإنسان حينما يمسه طائف من الشيطان عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم, فقد يظن بعضكم أو يتوهم أنه مجرد أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ينتهي الأمر, أي قولٍ يقولـه: لابد من أن ترافقه حالة نفسية, يعني كلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, يجب أن يرافقها استعاذة نفسية بالله عزّ وجل، ليس المقصود الكلمات ولكن المقصود الأحوال, هذه الأوهام عند بعض الناس أنه بمجرد أن تقول كذا و كذا ينتهي الأمر لا بد أن يرافق هذا القول حال نفسي.
في الصلاة تقول: الحمد لله رب العالمين, لو أنّ إنساناً كان ساخطاً على الله عزّ وجل ووقف ليصلي, وقال: الحمد لله رب العالمين لا يُقبل منه هذا, لا بد له من أن يشعر بفضل الله عزّ وجل عليه, إذا كانت حالته النفسية حالة الحمد فهذا القول يصح منه, أما إذا كانت حالته النفسية حالة السخط فإن كلمة الحمد لله رب العالمين لا تقدم ولا تؤخر, فإذا كان الحال موجوداً واللفظ موفوراً فكلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم سلاحٌ فعال فتّاك لذلك قال الله عزّ وجل:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾

(سورة النساء الآية: 76)
من صفات الشيطان أنه خنّاس, ومعنى خنّاس أنه بمجرد أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم يخنس, فلا يصح سحرٌ ولا حسدٌ ولا مسٌ ولا كيدٌ للمؤمن لأنه مستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.


الإسلام حقائق وتعبد لله وليس شكليات لا يدرك صاحبها معناها:
ليس في الإسلام شكليات, الإسلام حقائق يعني:

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾

( سورة الكهف الآية: 46)

يتوهم بعض الناس أنك إذا قلت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر انتهى الأمر, حالة التسبيح وحالة التكبير وحالة الحمد وحالة التوحيد تحتاج إلى حالة نفسية فهذه الحالة إذا وجدت تستمر معك إلى الآخر, أما المال والبنون ينتهيان في الدنيا, لذلك المال والبنون زينة الحياة الدنيا, والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً.
أردت من هذه المقدمة أن أؤكد لكم أن في الإسلام حقائق, لو أردنا أن نوسع الموضوع, إذا كنت في الحج هل تظن أنك إذا طفت حول الكعبة انتهى الأمر ؟ لا بد من طواف نفسي, ولا بد من سعي نفسي، ولا بد من تلبية نفسية، ولا بد من الوقوف في عرفة من معرفة الله سبحانه وتعالى, ولا بد عند نحر الأضاحي من نحر الشيطان, فكل مناسك الحجّ لا معنى لها إن لم ترافقها حالات تعبّر عنها، وما هذه المناسك إلا رموز لحالات يشعر بها الحاجّ ؟ فلئلا يتوهم بعض الأخوة أنه إذا قلت وأنت غافل ومتلبس بالمخالفات والمعاصي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, لو قلت أعوذ بالله ألف مرة يبقى الشيطان متمكناً, لكنك إذا شعرت بأنك ملتجئ إلى الله مستعيذ به ولّى الشيطان هارباً.

الإسلام مبني على قواعد وأسس وكل ما جاء به الكهنة باطل لأنه يناقض شريعة القرآن:
ذكرت لكم في قوله تعالى:

﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾

( سورة الشعراء الآية: 221-222)

الأفّاك: هو الذي يختلق الحديث اختلاقاً, ولا أساس له من الصحة, قد يقول لك الساحر: كيت وكيت وكذا وكذا, وكل هذا كذب بكذب, لأن الساحر أو الكاهن أو العراف أو شيطان الإنس أو شيطان الجن, هؤلاء قد يصيبون مرة ويكذبون على هذه المرة ألف مرة, وما يدعيه بعضهم من تحضير الأرواح, إن تحضير الأرواح في مجمله كذب في كذب, لو أن هذا الشيطان من الإنس تعاون مع قرين هذا الإنسان الذي تُحضّر روحه " على زعم من يزعم ذلك " هذا القرين قد يكذب أيضاً، قد يعرف شيئاً, وتغيب عنه أشياء, وقد يقول شيئاً: لا أساس له من الصحة.
موضوع الجن والسحرة, هذا الموضوع يجب أن يُلف ويُلقى في عرض الطريق, لأن الدين الذي جاءنا النبي عليه الصلاة والسلام به, دين مبني على قواعد وعلى أُسس وعلى آيات وليس في الكون إلا الله, وليس هناك من طريقة لاكتساب رضائه إلا بطاعته, أما ما يدعيه بعض السحرة والمشعوذين والمنجمين والكهنة فهذه لم يريدوا منها إلا تضليل الناس, بعض الذين يتعاونون مع الجن لهم مظهرٌ يُرضي, يظهرون ورعاً وخشية وخوفاً من الله عزّ وجل, وكأنهم يقولون للناس: نحن نتعاون مع جن المؤمنين من أجل هدايتكم, هذا الكلام أيضاً باطل.

موقف القرآن الكريم من قصة هاروت وماروت رداً على أكاذيب اليهود وافتراءاتهم:
هذه القصة التي نحن بصددها القصة المشهورة التي وردت في القرآن الكريم في سورة البقرة قال تعالى:

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 101)

القرآن الكريم موحى به من عند إله عظيم ونزل على نبي كريم, أهل الكتاب لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون, عندهم في التوراة والإنجيل وصفهم للنبي عليه الصلاة والسلام:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾

( سورة الصف الآية: 6)
ومع ذلك قال:
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

(سورة البقرة الآية: 102)

هذه الآيات التي وردت في سورة البقرة، اختلف حولها المفسرون، فبعض المفسرين أخذوا تفسير هذه الآيات من كتب بني إسرائيل من " التلمود " وأثبتوها في بعض التفاسير, ماذا قال التلمود عن هذه القصة ؟ سأرويها لكم كي تحذروها, وإياكم أن تظنوا أن هذه القصة أوافق عليها, قيل في هاروت وماروت أحاديث عديدة: فزعموا أن هاروت وماروت أنهما كانا ملكين من الملائكة, وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي أنكرا ذلك على أهل الأرض, " فأوحى الله إليهما أني لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني فقالا يارب: لو ابتلينا لم نفعل المعصية و لا نعصيك, فأهبطهما الله إلى الأرض وابتلاهما الله بشهوات بني آدم فمكثا في بلدة كانت فيها امرأة فاجرة تسمى الزُهرة فدعوها إلى الفاحشة, ووقعا بها بعد أن شربا الخمر، وقتلا النفس، وسجدا للصنم " يعني هذان الملكان اللذان زعما أنهما لا يعصيان الله، حينما أهبطهما الله إلى الأرض, وابتلاهما بحياة بني آدم شربا الخمر, وقتلا, وسجدا للصنم وزنيا بهذه الفاجرة، وعلّما هذه المرأة الفاجرة اسم الله الأعظم فتكلمت هذه المرأة بهذا الاسم فعرجت إلى السماء, فمسخها الله تعالى وصيرها هذا الكوكب " كوكب الزهرة " ثم إن الله تعالى عرّف هاروت وماروت قبيح ما قد وقعا فيه, ثم خيرهما بين عذاب الآخرة آجلاً وبين عذاب الدنيا عاجلاً, فاختارا عذاب الدنيا عاجلاً فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة، وهما يعلمان الناس السحر, ولا يراهما أحد إلا ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر, قال المؤلف: وهذه القصة من اختلاق اليهود, ولم يقل بها القرآن مطلقاً, وإنما ذكرها التلمود.
إذن هذه القصة التي رويتها لكم لا أساس لها من الصحة، كذب، وباطل, إنما وردت في بعض التفاسير نقلاً عن كتب بني إسرائيل, وهذه المشكلة المعضلة التي يسميها العلماء بالإسرائيليات, أي القصص التي نقلت عن كتب بني إسرائيل.

رأي الإمام الرازي في قصة هاروت وماروت:
الإمام الرازي رضي الله عنه في تفسيره يقول: أن هذه القصة التي ذكرت باطلة من عدة وجوه:
أولاً: أنهما ذكرا في القصة " أن الله تعالى قال لهما: لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا: لو فعلت بنا ذلك يا رب لما عصيناك ", هذا تكذيب لله عزّ وجل وتجهيل له وهذا من صريح الكفر, الملائكة عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم, لو أنّ الله ربّ العزة قال لهم: لو ابتليتكما لعصيتماني, قالا: لا يا رب لا نعصيك ! هذا تكذيب لله عزّ وجل وهذا تجهيل له, فالقصة باطلة من أساسها.
ثانياً: " أنهما خُيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ", وهذا فاسد أيضاً بل كان الأولى أن يُخيرا بين التوبة وبين العذاب, والله تعالى خيّر بينهما من أشرك به طوال عمره, وبالغ في إيذاء أنبيائه فلو أنه تاب لانتهى الأمر, فالتخيير أيضاً باطل وهو تكذيب على الله وتجهيله.
ثالثاً: أن من أعجب الأمور قولهم: " أنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما يعاقبان في بئر منكوسي الرؤوس ويعلمان الناس السحر ", أيضاً شيء لا يستقيم المنطق إنسان في الأشغال الشاقة يعلم الناس السحر هذا استنباط باطل.

رأي الإمام أبو مسلم في بطلان نزول السحر على الملكين:
الإمام أبو مسلم احتجّ على بطلان نزول السحر عليهما بوجوه:
أولاً: السحر لو كان نازلاً عليهما لكان منزله هو الله, وهذا غير جائز لأن السحر كفرٌ وعبثٌ لا يليق بالله تعالى إطلاقاً, أيليق بالله تعالى أن ينهانا عن السحر وينزله من السماء علينا ؟.
الثاني: أن قوله تعالى:

﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

يدل على أن تعليم الناس السحر كفر, ولكن الشياطين كفروا فما هي علامة كفرهم ؟ أنهم يعلمون الناس السحر فهذا استنباط رائع جداً,
" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ "

( أخرجه النسائي عن أبي هريرة, إسناده ضعيف )

كما قال عليه الصلاة والسلام: فقد دلّ على أن تعليم السحر كفر فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر للزمهم الكفر وهذا باطل.
الثالث: كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر، فكذلك بالملائكة من باب أولى.
الرابع: أن السحر يضاف إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة تقول: هذا ولي يستخدم الجن حتى يشفي بعض الناس, وحتى يحل لهم مشاكلهم, وكيف يضاف إلى الله ما يمنع عنهم ويتوعد عليه بالعقاب ؟ وهل السحر إلا الباطل المموّه, وقد جرت عادة الله بإبطاله ؟ كما قال الله تعالى في قصة سيدنا موسى:
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾

( سورة يونس الآية: 81)

إذا كان الله سبحانه وتعالى يّبطل السحر, فهل يضاف السحر إلى الله سبحانه وتعالى ؟ مستحيل, فهذا الكلام وهذه الأدلة والبراهين والمناقشات نقد صريح وواضح وجلي لهذه القصة التي وردت في التلمود, وقد نُقلت في بعض التفاسير تحت عنوان الإسرائيليات, وإن هذه القصة باطلة لا أساس لها من الصحة.

كيف نفسر هذه الآيات ؟

1- افتراء اليهود على النبي سليمان بأنه فقد نبوته في خاتمه والرد على هذا الباطل من القرآن:

كيف نفسر هذه الآيات ؟ بدأنا بالخطأ وبالباطل، هدّمنا الباطل, والآن نريد أن نفسر هذه الآيات، فهؤلاء أهل الكتاب:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

(سورة البقرة الآية: 101)

وَاتَّبَعُوا يعني تركوا هذا القرآن الكريم وما فيه من ذكرٍ حكيم, و تركوا الآيات الكونية والتشريعات الأرضية واتبعوا:
﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

تلا عليه يعني كذب عليه، لو فتحتم القواميس على فعل تلا " على " فإذا أضيفت "على " إلى " تلا " فمعناها كذب عليه قال تعالى:
﴿وإتبعوا ماتتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

اليهود يقولون: في قصة طويلة مختلقة مفتراة على هذا النبي العظيم, أن هذا النبي عليه السلام كل نبوته في خاتمه, فمرة ضاع منه خاتمه ففقد نبوته، يعني هذا النبي العظيم يفقد نبوته ويفقد معرفته, ويفقد ما آتاه الله من علم بأقوال الحيوانات ومن تسخير للجن, كل هذا الملك الذي قال الله في حقه:
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾

( سورة ص الآية: 34)

يزول عنه لمجرد أن ينسى خاتمه في مكان فتأخذه الشياطين, ويحكمون بدلاً من سليمان، وسليمان هائم على وجهه في البراري والقفار لا يعبأ به أحد, ولا يلتفت إليه أحد حتى لا يجد قوت يومه، وهو في أشد حالات الجوع والفقر والضياع والذلّ صاد سمكة فلما شق بطنها رأى خاتمه فعاد له ملكه, قال: هذه القصص كلها من تخريف اليهود, وقالوا عنه: أنه كفر وعبد الصنم وشرب الخمر, وعبد الصنم وتعلم السحر وسحر الناس فربنا عزّ وجل قال:
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

الأنبياء لا يكفرون, النبوة مرتبة لا كفر بعدها ولا زيغ ولا ضلال قال الله:
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

أما كلمة الشياطين: تعني شياطين الإنس، والدليل يعلمون الناس السحر, شياطين الجن لا يعلمون الناس السحر, وشياطين الجن لا تتلوا, التلاوة المقصود بها الكلام.

2- نفي العلماء نزول الملكين من السماء مع الدليل:

هناك قرينتان تؤكدان أن الشياطين في هذه الآية تعني شياطين الإنس قال تعالى:
﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)
في فقرة مهمة جداً هي " ما " قال تعالى:
﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

هذه " ما " نافية وليست موصولة, لدينا " ما " الاستفهامية، و " ما " الموصولة، و" ما " النافية يقول لك فلان: " أنا ما أكلت "، " والله ما أكلت " هذه " ما " نافية.
تقول له أحياناً: " إن ما أكلته ليس لك " هذه " ما " موصولة يعني أن الذي أكلته ليس لك.
" ما " استفهامية, لو قال أحدهم لطالبٍ نال مجموعاً عالياً: " بما حصلت هذا المجموع يقول لك: بما بذلت من جهد, " ما "‎ الأولى استفهامية، أما " ما " الثانية موصولة, فالنقطة كلها في هذه الصورة متوقفة على تفسير " ما " إذا فسرت ما نافية انتهى الأمر, تأتي المعاني يأخذ بعضها برقاب بعض, فإذا فسرتها على أنها موصولة وقعنا في خطأ كبير, اعلموا أن للعلماء في هذه الآية وجوهاً كثيرة, وأقوالاً عديدة فمنهم من ذهب فيها مذهب الإخباريين، نقله نقل الغث السمين، ومنهم من وقف مع ظاهرها البحت, وأكثر العلماء على أن ما هنا نافية قال تعالى:
﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

هؤلاء ليسوا ملكين, وما أنزل عليهم شيئاً من السماء قال تعالى:
﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)



ما قصة هؤلاء الملكان في الآية ؟
نعود إلى القصة قال تعالى:

﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

هؤلاء رجلان من بني إسرائيل, رجلان أقاما ببابل, واحترفا صناعة السحر، وعلما الناس السحر وأوهماهما أنهما صالحان، وهما ليسا ملكين، ولم ينّزل عليهم شيئاً من السماء قال الله:
﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

إيّاك أن تستمع لقولنا فمن أجل أن تزيد محبتك لهما, و من أجل أن يزيد اعتقادك بهما, يحذرانك من الكفر إذا آمنت بهما, يعني ورع وصلاح وتقوى هذا المظهر الكاذب, من أجل أن يوهما الناس أنهما صالحان, نتابع تفسير هذه الآية من كتب التفسير, ذلك أنهم زعموا أن سليمان عليه السلام ارتدّ في آخر عمره, وعبد الأصنام, كما تراه في الفصل الحادي عشر من ( سفر المبيت السادس ) فانظر إلى هذه الجرأة العظيمة والوقاحة الكبيرة, ولما تنبه عقلاء أهل الكتاب المتأخرون لمثل هذه الأكاذيب, اعترفوا بأنه ليس كل قول من الأقوال المندرجة في كتبهم المقدسة إلهامياً, بل بعضها كتب على طريقة المؤرخين يعني بلا إلهام, كما في إظهار الحق.

ماذا تعني كلمة الشياطين في الآية ؟
المراد بالشياطين, شياطين الإنس وهم المتمردة العصاة الأشرار الأقوياء الدعاة إلى الباطل, وقوله: " على ملك سليمان " أي على عهد ملكه من تلك الأقاصيص المختلقة عليه, وقولـه تعالى:

﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)
تنزيه لسيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام من الردّة والشرك وعبادة الأوثان التي نسبوها إليه، وتكذيب لمن تقولها, وقال كثيرون: هذه تبرئة له من السحر لسيدنا سليمان, وأنّه تعالى كنَّ عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفرٌ, وأنه من كان نبياً كان معصوماً عنه, وإنما كان كفراً لكونه يكون بالتوجه إلى الأفلاك والشياطين وعبادتها, وقوله تعالى:
﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)
والشياطين هم خبثاء الإنس وأشرارهم كما في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾

(سورة البقرة الآية: 14)
وقوله:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 112)

والذي يعيّن أن كلمة الشياطين في هذه الآية تعني شياطين الإنس قوله تعالى:

﴿تَتْلُوا ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

لأن تلاوة شياطين الجن لا يسمعها أحد, ومعنى تتلوا أي تقص كما تقدم، وقوله:

﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾

( سورة البقرة الآية:102)

يعيّن هذا المعنى أيضاً إذا لا يتعلم أحد السحر إلا من شياطين الإنس لانعدام مكان الاتصال بهم أي شياطين الجن, المراد بقولـه:

﴿كَفَرُوا﴾

( سورة البقرة الآية: 102)
أي كفروا بآيات الله المنزلة, وقوله تعالى:
﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

جملة حالية، أي حالتهم تعليم الناس السحر.

3- ما ذهب إليه المحققون:

قوله تعالى:
﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

الذي ذهب إليه المحققون: أن هاروت وماروت كانا رجلين و ليسا ملكين, يتظاهران بالصلاح والتقوى في بابل, وهي مدينة بالعراق على نهر الفرات, وكانا يعلمان الناس السحر, وكثيرون ممن يعلمون الناس السحر يتظاهرون بالتقوى والصلاح, أوهموا الناس أنهما ملكان وأن ما يفعلانه من وحي السماء, وبلغ مكر هذان الرجلان ومحافظتهما على اعتقاد الناس الحسن فيهما, أنهما صارا يقولان لكل من أراد أن يتعلم منهما قال الله:
﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

إياك أن تكفر بالله "هذا من أجل التضليل " أي إنما نحن فتنة نبلوك ونختبرك, أتشكر أم تكفر ؟ وننصح لك ألاّ تكفر ؟ هذا من تضليلهم أيضاً.
يقول المفسر: قائلين لمن يعلمونهم الكتاب, نوصيك بأن لا تكتب لجلب امرأة متزوجة إلى رجلٍ غير زوجها, يعني بوصوا الجن بعدم تعلّق الزوجة بغير زوجها إلى غير ذلك من الأوهام والافتراء, فجاء القرآن مكذباً لهم في دعواهم نزول هذا السحر من السماء وفي ذم السحر فقال:
﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

" ما " هنا نافية على أصح الأقوال.

لماذا ذكر الله لفظ الملكين في قصة هاروت وماروت ؟
في سؤال هنا, الله قال الملكين لماذا ؟ لو فرضنا في اثنين مشعوذين ادّعا أنهما طبيبان و مارسا الطب, فصار لهما اسم شائع أنهما طبيبان مشعوذان, فإذا قلت: طبيبان, هل يعني ذلك أنك اعترفت أنهما طبيبان ؟ أحياناً يكون طالب لم يفتح الكتاب بحياته, لكن يلبس لباس طلاب تقول: هذا الطالب لماذا لا يدرس ؟ اسمه طالب علم لكنه لا يطلب علم, فأحياناً تسمي الشيء بما تعارف الناس على تسميته, فربنا قال: "وما أنزل " " ما " نافية أما لما قال الملكان: فهذا على زعم اليهود وزعم الناس, ولفظ الملكين هنا وارد حسب العرف الجاري بين الناس في ذلك الوقت، كما يرد ذكر آلهة الخير والشر في كتابات المؤلفين.

ما معنى قوله تعالى " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ؟
وقوله تعالى:

﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)
من قبيل التمثيل وإظهار الأمر في أقبح صورة، يعني السحر شر كله أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من دروب الحيّل, وطرق الإفساد أن يتمكنوا به من التفريق بين أعظم رابطة كالمرء وزوجه.
في قصة مشهورة كثيراً كيف أن شيطان الإنس يوهم الزوج أن امرأته تخونه, ويوهم الزوجة أن زوجها يخونها, ويقول للزوجة: إذا شئت دليلاً أن يمتنع عن خيانتك فخذي شعرة من رأسه وهو نائم, ويقول للزوج: أن امرأتك تريد أن تقتلك وأنت نائم، هذا الزوج يعمل نفسه نايم يسمع حركة فيرى مقص بيد زوجته فيقوم فيقتلها ؟ هذا عمل الشياطين هذه قصة مشهورة ترد بكتب الفقه كثيراً.
قصة قاضي, قاضي متزوج في وفاق ووئام ومحبة وصفاء، شيطانة من شيطانات الإنس دخلت إلى بيت امرأة القاضي, وأثنت على جمالها, وزهدتها بزوجها, وقالت: إن زوجك ينظر إلى النساء ويفعل كذا وكذا, وذهبت إلى الزوج, وقالت: إن زوجتك يدخل عليها الرجال في غيبتك, ونصحت الزوجة أن تأخذ شعرة من رأسه بالمقص, وأوهمت الزوج أن امرأته سوف تقتله هذه الليلة, عندئذ قام القاضي وقتل زوجته, هذا من عمل الشيطان, وهذه القصص تقع كل يوم, فلذلك قال تعالى:
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)



خلاصة الآية والعبرة منها:
أن معنى الآية من أولها إلى آخرها أن اليهود كذّبوا القرآن, ونبذوه وراء ظهورهم وبدلوه بالأقاصيص والخرافات التي يسمعونها من خبثائهم عن سليمان وملكه, وزعموا أنه كفر وهو لم يكفر, ولكن الشياطين هم الذين كفروا هذه القصة أصبحت واضحة, وأهم ما في هذه القصة هذه الآية وهو قوله تعالى:

﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)
إذا كنت مسلماً مصدقاً أن هذا القرآن كلام الله, وأن هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن الشياطين كلها, لو اجتمعت لا تستطيع أن تفعل شيئاً ولا أن تضرك أبداً إلا بإذن الله.
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)

وأي تعليم يتعلمه الإنسان من شياطين الإنس والجن إنما يضره ولا ينفعه قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

( سورة البقرة الآية: 102)
والحمد لله رب العالمين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://resalahmasriyah.mam9.com
 
الإيمان بالجن
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
رسالة مصرية ثقافية :: ديني :: العقيدة الإسلامية-
انتقل الى: